طعن رقم 67 لسنة 2007
تاريخ 20/5/2007(طعن مدني)
هيئة المحكمة: الرئيس: محمد محمود راسم والاعضاء: فتحية محمود قره، أحمد عبد الرحمن الزواوي، سعيد عبد الحميد فودة، حسن محمود الأبياري.
1- تمتع الحكم الجزائي البات الصادر في موضوع الدعوى الجزائية بالحجية الملزمة للقاضي المدني والحائلة دون بحثه للعناصر التي فصل فيها الحكم الجزائي.
2- عدم جواز إثارة النزاع في الدعوى المدنية بمقولة إستغراق خطأ المجني عليها لخطأ مرتكب الحادث الذي قضى الحكم الجزائي بإدانته لمساس ذلك بحجيته.
3- عدم إعتبار إلتفات محكمة الموضوع عن الرد على دفاع الطاعن غير المستند الى أساس قانوني صحيح قصوراً مبطلاً له.
4- صلاحية القاضي المدني في الأصل بحث مدى مساهمة المجني عليه في الخطأ او نفيه مع مراعاة ذلك في تقدير التعويض دون إعتبار الأمر مساساً بحجية الحكم الجزائي الصادر بإدانة المتهم.
5- تمتع العناصر التي فصل فيها الحكم الجزائي واللازمة للحكم في الدعوى الجنائية بالحجية امام القضاء المدني في المسائل المتصلة بموضوع تلك الدعوى الجزائية سواء وردت هذه العناصر في منطوق الحكم او في اسبابه المكملة للمنطوق.
6- تمتع قضاء الحكم الجزائي بمعاقبة الطاعن بتغريمه لتسببه بخطئه بإصابة المطعون ضدها وتخفبفه العقوبة نظراً لمساهمة المجني عليها في وقوع الحادث بعبورها الطريق دون أخذ الحيطة والحذر بالحجية امام القضاء المدني في شأن ثبوت مساهمتها بوقوع الحادث.
الحكم
بعد الاطلاع على الاوراق وسماع تقرير التلخيص الذي أعده وتلاه بجلسة المرافعة السيد القاضي/ ..................، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث ان وقائع الدعوى تتحصل – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - في ان المطعون ضدها (..................) أقامت الدعوى رقم 739 لسنة 2005 مدني كلي امام محكمة دبي الإبتدائية على الطاعن (..................) ثم اختصمت فيها شركة .................. للتأمين للحكم عليهما متضامنين ومتضاممين بأن يؤديا لها مبلغ 750,000 درهم والفائدة بواقع 9 ٪ من تاريخ المطالبة وحتى تمام السداد، وقالت شرحاً لذلك انه بتاريخ 6-4-2004 وأثناء قيادة المدعي عليه الأول للسيارة رقم 31052/ 4 خ دبي والمؤمن عليها لدى الشركة المدعي عليها الثانية تسبب بخطئه في إصابتها وقد قضى بإدانته جزائياً في الجنحة رقم 959 لسنة 2004 مرور دبي وأضحى هذا الحكم باتاً، وإذ لحق بها أضرار مادية ومعنوية، ومن ثم فقد أقامت الدعوى.
وبتاريخ 28-2-2006 حكمت المحكمة بإلزام المدعي عليهما بالتضامم بأن يؤديا للمدعية مبلغ 60,000 درهم والفائدة بواقع 9 ٪ من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً وحتى تمام السداد. طعن كل من المدعية والمدعي عليه الأول والشركة المدعي عليها الثانية على هذا الحكم بالإستئناف أرقام 201 و205 و214 لسنة 2006 مدني على التوالي، وبعد ان ضمت المحكمة الإستئنافات الثلاثة حكمت بتاريخ 12-7-2006 برفضها وبتأييد الحكم المستأنف. طعن المدعي عليه الأول في هذا الحكم بالتمييز رقم 220 لسنة 2006 مدني بصحيفة أودعت قلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ 6-9-2006 كما طعنت الشركة المدعي عليها الثانية في ذات الحكم بالتمييز رقم 223 لسنة 2006 مدني بصحيفة أودعت قلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ 10-9-2006. وبتاريخ 26-11-2006 قضت المحكمة في الطعنين بنقض الحكم المطعون فيه وبإحالة الدعوى الى محكمة الإستئناف لتقضي فيها من جديد، تأسيساً على بطلان الحكم المطعون فيه الذي حررت مسودته على عدة أوراق مستقلة منفصلة عن الورقة المشتملة على المنطوق وموقعاً عليها من أعضاء الهيئة التي أصدرته ولم تتضمن هذه الورقة الأخيرة جزءً من الأسباب ولم يوقع على باقي أوراق المسودة جميع أعضاء الهيئة. وبتاريخ 14-2-2007 قضت محكمة الإحالة في موضوع كل من الإستئنافات الثلاثة برفضه وبتأييد الحكم المستأنف. طعن المدعي عليه الأول في هذا الحكم بالتمييز الماثل بصحيفة أودعت قلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ 10-4-2007 طالباً نقضه، وقدم محامي المطعون ضدها (..................) مذكرة بالرد طالباً رفض الطعن. وإذ عُرض الطعن في غرفة مشورة فقد رأت المحكمة أنه جدير بالنظر، وحددت جلسة لنظره.
وحيث ان الطعن أقيم على ثلاثة اسباب ينعى الطاعن بالسبب الثالث منها على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب، إذ انه تمسك امام المحكمة المطعون في حكمها بأن الثابت بالحكم الجزائي ان المطعون ضدها قد عبرت الطريق دون أخذ الحيطة والحذر مما مؤداه استغراق خطئها للخطأ المنسوب للطاعن وتكون هي المسئولة وحدها عما لحق بها من إصابات وانتفاء مسئولية الطاعن، وإذ أغفل الحكم المطعون فيه الرد على هذا الدفاع فإنه يكون معيباً بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك انه من المقرر في قضاء هذه المحكمة وفق ما تقضي به المادة 269 من قانون الإجراءات الجزائية ان الحكم الجزائي البات الصادر في موضوع الدعوى الجزائية بالبراءة او الإدانة له حجية تلتزم بها المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم تكن قد فصل فيها بحكم بات فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها الى فاعلها، وهذه الحجية التي يتقيد بها القاضي المدني تحول دون بحثه لتلك العناصر التي فصل فيها الحكم الجزائي.
وبالتالي فإنه لا يقبل إثارة النزاع في الدعوى المدنية بمقولة استغراق خطأ المجني عليها لخطأ مرتكب الحادث الذي قضى بإدانته لما في ذلك من مساس بحجية الحكم الجزائي الذي قضى بإدانة المتهم عن فعله الخاطئ.
ومن المقرر في قضاء هذه المحكمة، انه متى كان دفاع الطاعن الوارد بسبب النعي لا يستند الى اساس قانوني صحيح، فإن التفات محكمة الموضوع عن الرد عليه لا يعد قصوراً مبطلاً له.
لما كان ذلك وكان الحكم الجزائي الصادر في الجنحة رقم 959 لسنة 2004 مرور دبي قد قضى بإدانة الطاعن قائد السيارة مرتكبه الحادث بتغريمه ثلاثمائة درهم عن التهم الثلاث الأول (السوق بصورة عرضت مستعملي الطريق للخطر والحاق الأضرار بممتلكات الآخرين والمساس خطأ بسلامة جسم الغير)، وبالتالي فإن هذا الحكم يكون قد اكتسب الحجية في شأن مسئولية الطاعن عما لحق المطعون ضدها من ضرر، ويمتنع على المحكمة المطعون في حكمها بحث ذلك الأمر إعمالاً لحجية الحكم الجزائي، ومن ثم فلا جناح على الحكم المطعون فيه إذ هو أغفل الرد على دفاع الطاعن بما سلف ويكون النعي عليه بهذا السبب على غير اساس.
وحيث ان الطاعن ينعى بالسببين الأول والثاني على الحكم المطعون فيه بالخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب والفساد في الإستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق، ذلك ان الحكم الجزائي الصادر في الجنحة رقم 959 لسنة 2004 مرور دبي قد قضى بإدانة الطاعن وأورد في اسبابه بصورة قاطعة اعتمد عليها في قضائه ان المطعون ضدها ساهمت في وقوع الحادث بعبورها الطريق دون اتخاذ الحيطة والحذر، ورتب على ذلك، تخفيف العقوبة المقضى بها، وبالتالي فإن أسباب الحكم الجزائي المرتبطة بمنطوقه تكون قد حازت الحجية في ذلك الشأن، إلا ان الحكم المطعون فيه التفت عن دفاع الطاعن بمساهمة المطعون ضدها في وقوع الحادث بمقولة ان المحكمة لم تقف على مساهمتها فيه، مخالفاً بذلك ما تضمنه الحكم الجزائي في أسبابه المرتبطة بالمنطوق، مما يعيب الحكم المطعون فيه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك انه، من المقرر في قضاء هذه المحكمة انه يحق للقاضي المدني – كأصل – بحث مدى مساهمة المجني عليه في الخطأ او نفيه مع مراعاة ذلك في تقدير التعويض إعمالاً لنص المادة 290 من قانون المعاملات المدنية التي تنص على انه ((يجوز للقاضي ان ينقص مقدار الضمان او لا يحكم بالضمان إذا كان المتضرر قد اشترك بفعله في إحداث الضرر او زاد فيه)) وليس في ذلك مساس بحجية الحكم الجزائي الصادر بإدانة المتهم.
والأصل ايضاً ان القاضي الجنائي غير ملزم ببيان الأسباب التي من أجلها قدر العقوبة المقضى بها على الجاني، إلا انه متى كان الحكم الجزائي قد فصل فصلاً قاطعاً في أمر يتعلق بوقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية فإن جميع العناصر والوقائع التي فصل فيها الحكم الجزائي وكان فصله فيها ضرورياً ولازماً للحكم في الدعوى الجزائية – سواء وردت في منطوق الحكم أو وردت في الأسباب المكملة للمنطوق – تكون قد حازت الحجية امام القضاء المدني في المسائل المطروحة عليه وتتصل بموضوع الدعوى الجزائية.
لما كان ذلك وكان الثابت بالأوراق ان الحكم الجزائي الصادر في الجنحة رقم 959 لسنة 2004 مرور دبي قد قضى بمعاقبة الطاعن بتغريمة ثلاثمائة درهم عما نسب إليه من تسببه بخطئه في إصابة المطعون ضدها وأوضح باسبابه بأنه ((نظراً لمساهمة المجني عليها في وقوع الحادث بعبورها الطريق دون أخذ الحيطة والحذر مما ترى معه المحكمة تخفيف العقوبة)) مما مفاده ان الحكم الجزائي قد فصل في اسبابه المكملة لمنطوقه بمساهمة المجني عليها (المطعون ضدها) في الخطأ الذي ترتب عليه إصابتها، وقام بتقدير العقوبة المقضى بها على الطاعن على هذا الأساس مصرحاً بأنها هي العقوبة الأخف التي رأى مناسبتها للخطأ الثابت في جانب المتهم (الطاعن) في ضوء ما ساهمت به المطعون ضدها في إحداث الضرر الذي لحق بها، وبالتالي فأن الحكم يكون قد حاز الحجية في شأن ثبوت مساهمتها في وقوع الحادث بما يمتنع معه على المحكمة المطعون في حكمها ان تعيد بحثه من جديد، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وذهبت المحكمة في اسبابها الى انه ((لم تقف المحكمة على مساهمة المدعية (المطعون ضدها) في الخطأ ولا يحجبها ما ورد في الحكم الجزائي من انها عبرت الشارع دون حذر سيما وان النيابة العامة لم تنسب لها الإتهام بذلك))، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يستوجب نقضه لهذا السبب، وإذ حجبه ذلك عن إعمال مقتضى نص المادة 390 من قانون المعاملات المدنية سالفة البيان وهو بصدد تقدير قيمة الضمان المستحق للمطعون ضدها ومن ثم فإنه يتعين ان يكون مع النقض الإحالة.

* * *