طعن رقم 238 لسنة 2009(مدني)
صادر بتاريخ 20/12/2009
1- سلطة محكمة الموضوع في استخلاص الخطأ الموجب للمسئولية ونسبته إلى فاعله وما نجم عنه من ضرر وثبوت رابطة السببية بين الخطأ والضرر دون معقب عليها من محكمة التمييز.
2- سلطة محكمة الموضوع في تقدير تقرير الخبرة دون إلزامها بالرد إستقلالاً على الطعون الموجهة إليه أو إجابة طلب الطاعنين بندب لجنة خبره أخرى أو تتبع الخصوم في شتى مناحى أقوالهم وحججهم.
3- وجوب قيام الطبيب أو الجراح بواجبه حيال مريضه بقدر معقول ومناسب من الكفاءة والمهارة وبذل درجة عاليه من العناية والاهتمام واليقظة بمعيار ما يقبله اهل المهنة المهرة اليقظين ممن يفترض ان يكون هو في مستواهم.
4-سلطة محكمة الموضوع في تقدير قيام الطبيب بالواجب المناط به بالدرجة المطلوبة منه من عدمه دون رقابة عليها من محكمة التمييز.
5- جواز تحديد المؤمن نطاق الضمان بالنص على استبعاد بعض المخاطر وزيادة قيمتها أو تحديد مدى التزامه في التعويض على أسس وشروط محددة معلومة طالما لم يتعسف في هذه الشروط أو لم تنطو هذه الشروط على إسقاط حق المؤمن له في الضمان بصفة مطلقة.
6- عدم إبطال المحكمة شوط عقد التأمين إلا التعسفية منها.
7- جواز وضع شرط تحديد المسئولية ومدى التزام المؤمن بالتعويض وقيمته في عقد التأمين طالما اتفق عليه صراحة في العقد وأبرز هذا الشرط بشكل ظاهر اذا ورد ضمن الشروط المطبوعة وطالما لا توجد شروط أخرى مخطوطة أو مدونة بخط اليد أو على الآلة الكاتبة وتعارض معها الشرط المطبوع.
8- عدم تعارض شرط تحديد ادنى وأعلى مبلغ لتغطية المؤمن المؤمن له في حدوده مع طبيعة عقد التأمين.
9- سلطة محكمة الموضوع في استخلاص تعسف الشرط الوارد في عقد التأمين وإن كان شرط إسقاط حق المؤمن له في الضمان بصفة مطلقة من عدمه دون معقب عليها في ذلك من محكمة التمييز.
10- عدم اعتبار قضاء الحكم المطعون فيه برفض الدعوى المقامة من الطاعنين بالرجوع على شركة التأمين المطعون ضدها الثانية لتغطية مبلغ التعويض المقضي به عليهما والبالغ 50.000 درهم إستناداً إلى وثيقة التأمين التي حددت المبلغ القابل للخصم 50.000 دولار أمريكي لكل حادثه واحدة مخالفاً القانون ومخطئاً في تطبيقه.
11- سلطة محكمة الموضوع في تقدير التعويض ومراعاة الظروف الملابسة في تحديد مبلغ التعويض الجابر له ما دام ان القانون لم يوجب إتباع معايير معينة للتقدير بلا رقابة عليها في ذلك من محكمة التمييز ودون إلزامها تلتزم ببيان المبلغ الذي قدرته بالنسبة لكل عنصر على حده.
12- اعتبار غاية تعويض المضرور إصلاح أو جبر الضرر لا توقع الربح من المأساة.
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه بالجلسة القاضي المقرر دكتور ------- وبعد المداولة.
حيث إن كلا من الطعنين قد قدم خلال المدة القانونية مستوفيا لكل موجباته الشكلية فهو مقبول من ناحية الشكل.
وحيث إن الوقائع تتحصل في ان المدعى ----------- أقام الدعوى رقم 103/ 2007 مدني كلي أمام محكمة دبي الابتدائية على: 1) ----------------------. 2) ------------ طالباً الحكم بإحالته إلى لجنة طبية متخصصة لتقرير حالته وتحديد الأخطاء التي وقع فيها المدعى عليه الثاني من إزالة عظم الخشم وإتلاف العصب الشمى وعمل ثقب في المخ واحتياطياً بإلزام المدعى عليهما متضامنين بان يدفعا إليه تعويضا مقداره أربعة ملايين درهم عن الاضرار المادية والأدبية التي لحقته. وقال في شرح دعواه إنه يعمل موظفا بشركة ---------- بابوظبي وطبيعة عمله تقتضي العمل بين مكائن فصل الغاز ويعتمد أساسا على حاسة الشم في عمله. وإن المدعى عليها الأولى مستشفى خاص يعمل بها المدعى عليه الثاني طبيب أخصائي انف وأذن وحنجره وكان المدعى قد أجرى عملية جراحية (لحمية) في مستشفى القاسمي عام 2002 وخرج معافاً سليماً، وفي عام 2005 عادت له اللحمية مرة أخرى وظل يعاني منها فعزم على الكشف عنها ومعالجتها في مستشفى -----------(المدعى عليه الأول) وعرض على المدعى عليه الثاني فحدد له موعداً لإجراء عمليه دون أشعه وبمجرد الرؤية بالعين من جانب الأخصائي المذكور ودون إبلاغه بمدى خطورة العمليه أو صعوبتها أو حالته بعد إجراء العمليه، وبتاريخ 28-8-2006 ادخل المستشفى وفي اليوم التالي أجريت له العملية وخرج من المستشفى في اليوم الذي تلاه وأخبره المدعى عليه الثاني بان العملية كانت صعبه، وبعد يوم واحد من خروجه من المستشفى شعر المدعى بحمى ورجفة وصداع ونزول نزيف سائل من انفه لا يدري ما سببه، فلما رجع الى المستشفى بتاريخ 6-9-2006 تبين ان السائل الذي ينزفه من انفه هو سائل ينزل من المخ حيث تبين ان الطبيب المدعى عليه الثاني قد اخطأ في العملية وتعمق أكثر من اللازم فاحدث شرخاً وثقباً أثناء العملية وصل إلى المخ مما أدى إلى نزيف سائل مخي بكثافه وذلك بسبب خطئه في الجراحة إذ تعمق في فتحة وصلت إلى المخ كما تبين انه أزال العظمة الأمامية الخاصة بالأنف بدون مبرر وبغير علم المدعى سواء قبل إجراء العملية أو بعدها، فطلب المدعى اعداد تقرير من المستشفى فأعطوه تقريراً طبياً يثبت ان المدعى عليه الثاني قام بإجراء العملية دون أشعة تشخيصية وانه اخطأ في احداث شرخ في جدار الأنف وفتحة عميقة وصلت إلى المخ بدون مبرر طبي أدى إلى نزول سائل بكثافة عاليه ينزل من المخ، وطلب المدعى عليه الثاني من المدعى ان ينام لمدة عشرة أيام متصلة على ظهره دون حراك وبعدئذ عرضه على لجنة طبية طلبوا منه فتح رأسه وإجراء عملية لأغلاق الفتحة بالمخ التي اخطأ فيها المدعى عليه الثاني وذلك بعد تحسن حالته، ونظراً لان حالته قد ساءت نتيجة خطأ الطبيب المدعى عليه الثاني في جراحته فقد أدى ذلك إلى: 1) فقدانه لحاسة الشم وبالتالي فقدان عمله لان طبيعة عمله تعتمد على حاسة الشم لديه.
2) انسداد في الأنف وأصبح لا يتنفس الا من فمه. 3) فقدانه حاستي الشم والتذوق.
4) شعوره الدائم والمستمر بالصداع الشديد وعدم الاتزان والتقيؤ المستمر. 5) عدم استطاعته الركوع والسجود لان ذلك يؤدي إلى نزول السائل من مخه مما يتطلب منه ان يكون في حالة وقوف دون انحناء، وقد أصيب من جراء ذلك بحالة نفسية سيئة للغاية انعكست على أسرته وهو للآن في إجازة مرضية طبية لا يستطيع الرجوع إلى عمله بسبب عدم قدرته على الانحناء وإنزال رأسه إلى أسفل وفقدانه عمله بسبب فقده حاستي الشم والتذوق؛ وقد تقدم ببلاغ ضد المدعى عليهما لدائرة الصحة والخدمات الطبية الحكومية بسبب أخطاء التابع والمتبوع وقد أثبتت دائرة الصحة وجود إهمال وسوء إدارة من المدعى عليهما، وفي 10-1-2007 صدرت للمدعى شهادة إجازة ثابت بها يُنصح له بعدم حمل أوزان ثقيلة أو القيام بأعمال شاقه وثابت بها انه فقد حاستي الشم والتذوق وان الارتشاح ما زال مستمراً لديه من السائل المخي. ولما لحق المدعى من الإصابات والاضرار المذكورة وفقدانه القدرة على التركيز ومعاناته الجسيمة والنفسية والتي سيظل يعاني منها طوال حياته فقد أقام هذه الدعوى.
وبتاريخ 29-4-2007 ندبت المحكمة إدارة الطب الشرعي بالقيادة العامة لشرطة دبي لندب احد أطبائها للقيام بالمأمورية المبينة بمنطوق الحكم. وبتاريخ 29-5-2007 ندبت المحكمة دائرة الصحة والخدمات لتندب بدورها لجنة طبية ثلاثية من الأطباء المتخصصين في مجال الأنف والإذن والحنجرة لأداء ذات المهمة الواردة في الحكم التمهيدي الصادر في 29-4-2007، وبعد إيداع تقرير الخبرة تقدم المدعى عليهما بصحيفة دعوى ضمان فرعية على شركة ----------------- انشورانس المحدودة لإدخالها خصماً مدعى عليه فيها لإلزامها بان تدفع للمستشفى المدعية فيها ما عسى ان يحكم به للمدعى وفوائد هذا المبلغ من تاريخ القضاء به وحتى تمام السداد وذلك تأسيساً على انها شركة التأمين المؤمن لديها على أعمال المستشفى وأطبائها وتابعيها بموجب وثيقة تأمين مبرمة بينهما وانها بذلك تكون مسئولة عن سداد أية تعويضات تترتب على اعمال أو اخطاء تصدر من تابعي المستشفى. كما تقدم المستشفى المدعى عليه الأول في 22-4-2008 بمذكرة طلب فيها التصريح له هو والمدعى عليه الثاني باستخراج صورة طبق الأصل من الملف الطبي للمدعى بمستشفى القاسمي الحكومية بإمارة الشارقة وكل ما تم إجراؤه له في ذلك المستشفى من جراحات وعلاج عام 2003 وكذلك ندب لجنة طبية أخرى لتوقيع الكشف الطبي على المدعى. وبتاريخ 15-6-2008 دفعت الخصم المدخلة بعدم قبول طلب إدخالها لعدم إتباع الإجراءات التي رسمها القانون. وبتاريخ 6-7-2008 قضت المحكمة بإعادة المأمورية إلى اللجنة الطبية السابق ندبها لبحث اعتراضات المدعى عليهما على تقريرها مع بيان ما إذا كان قد تم الترخيص للمدعى عليه الثاني بإجراء هذا النوع من العمليات التي أجراها للمدعى من دائرة الصحة والخدمات الطبية. وبعد ان أودعت اللجنة الطبية تقريرها التكميلي قضت المحكمة بتاريخ 10-3-2009 أولاً:- في الدعوى الأصلية بإلزام المدعى عليهما متضامنين بان يؤديا للمدعى تعويضاً مقداره مائة الف درهم عن الاضرار المادية والأدبية التي لحقته من قبل المدعى عليهما. ثانياً:- في دعوى الضمان الفرعية بإلزام شركة التأمين المدعى عليها (----------------------- انشورانس المحدودة) بان تؤدي للمستشفى المدعية مبلغ التعويض المقضى به عليها ومقداره مائة الف درهم وفوائده القانونية بواقع 9% من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً وحتى تمام السداد.
استأنف المدعى ------------ هذا الحكم بالاستئناف رقم 326/ 2009 مدني، كما استأنفه المدعى عليهما بالاستئناف رقم 344/ 2009 مدني وكذلك استأنفت ذات الحكم الخصم المدخل (شركة ---------------- انشورانس المحدودة) بالاستئناف رقم 345/ 2009 مدني. وبعد ان ضمت المحكمة الاستئنافات الثلاثة قضت بتاريخ 28-5-2009 أولا:- بقبول الاستئنافات الثلاثة شكلاً. ثانياً:- وفي موضوع الاستئناف رقم 326/ 2009 مدني بتعديل المبلغ المقضى به في الدعوى الأصلية ليصبح مبلغ مائة وخمسين الف درهم وتأييد الحكم في الدعوى الأصلية فيما عدا ذلك. ثالثاً:- في موضوع الاستئناف رقم 344/ 2009 مدني برفضه. رابعاً:- في موضوع الاستئناف رقم 345/ 2009 مدني بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به
في دعوى الضمان الفرعية والحكم مجدداً برفض دعوى الضمان الفرعية.
طعن المدعى في هذا الحكم بالتمييز رقم 238/ 2009 مدني بموجب صحيفة أودعت بقلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ 23-7-2009 طلب فيها نقضه. وأودع محامي المطعون ضدهما - في الميعاد - مذكرة بدفاعهما طلبا فيها رفضه. كما طعن في ذات الحكم المدعى عليهما بالتمييز رقم 240/ 2009 مدني بموجب صحيفة أودعت بقلم كتاب هذه المحكمة في 23-7-2009 طلبا فيها نقضه. وأودع محامي المطعون ضده - في الميعاد - مذكرة بدفاعه طلب فيها رفض الطعن.
وإذ عُرض الطعنان في غرفة مشورة فقد رأت المحكمة انهما جديران بالنظر وحددت جلسة لنظرهما. وفي الجلسة المحددة للمرافعة قررت المحكمة ضم الطعنين ليصدر فيهما حكم واحد.
وحيث إن الطعن رقم 240/ 2009 مدني اقيم على سبب واحد من أربعة أوجه ينعى الطاعنان بالأوجه الثلاثة الأول منها على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع ذلك ان المأمورية الطبية أعيدت إلى ذات اللجنة الطبية رغم ان الطاعنين طلبا ندب لجنة طبية أخرى وأبديا اعتراضهما على تقرير اللجنة الطبية وطلبا فحصها، وتتمثل اعتراضاتهما في بيان مدى ما خضع له المطعون ضده من عملية جراحية سابقه في مستشفى القاسمي وهو ما لم تبحثه اللجنة الطبية وما لم ترد عليه بل رددت ما جاء بتقريرها الأول ولم تبين ما هو الخطأ الذي نسبته للطاعن الثاني وأوجه القصور في عمله خاصة وان أوراق الدعوى تقطع بان المصاب حضر إلى المستشفى وهو يعاني من الإحساس بانقفال في الأنف وسيلان الأنف المتقطع وأقر بانها أعراض قديمه وسبق له إجراء عمليات جراحية لإزالة الحاجز الأنفي في مستشفى القاسمي في يوليو 2002، وانه عند الكشف عليه في المستشفى الطاعنة الأولى كان ما زال لديه متبقى من الالتواء في الحاجز الأنفي وتضخم في الوتره التحتية وذلك هو السبب للانسداد الموجود لديه، وإن ما قام به الطاعن الثاني ليس سوى عملية تقويم وإصلاح للانحناء الذي كان موجودا لديه قبل حضوره للمستشفى الطاعنة الأولى وهو ما يقطع علاقة السببية بين ما يدعيه المطعون ضده ويطالب بالتعويض عنه. وإن إثبات ذلك مرجعه إلى ما ورد في ملف تقرير مستشفى القاسمي الذي طلب الطاعنان إرفاقه أو التصريح لهما بتصويره؛ وإن مجرد الترخيص من دائرة الخدمات الصحية بدبي للطاعن الثاني بإجراء عمليات صغيره لا يعنى على وجه الإطلاق خطأه في إجراء العملية الجراحية موضوع الدعوى ذلك لان التقرير خلا من وصف العمليات البسيطة وما إذا كانت العملية الجراحية التي أجريت للمطعون ضده مما يدخل في هذا الوصف أو غير ذلك، ولم يزعم المطعون ضده انه عقب إجراء العملية في المستشفى الطاعنة الأولى حصل له أي تشوه في شكل انفه ولم تذكر اللجنة الطبية في تقريرها ان الطاعن الثاني أزال أي أجزاء من الغضروف، وان الطاعن الثاني لم يقم بعملية تقويم للحاجز الأنفي لان المطعون ضده كان قد أجرى هذه العملية في مستشفى القاسمي قبل حضوره للمستشفى الطاعنة الأولى. وإن هذه الاعتراضات كانت تحتاج إلى رأي طبي آخر. وإذ أعادت المحكمة المأمورية لذات اللجنة الطبية التي أعدت التقرير الأول فان حكمها يكون معيبا بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعى غير سديد إذ استقر قضاء هذه المحكمة على ان استخلاص الخطأ الموجب للمسئولية ونسبته إلى فاعله وما نجم عنه من ضرر وثبوت رابطة السببية بين الخطأ والضرر كلها من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع في نطاق سلطتها في تحصيل وفهم الواقع في الدعوى وتقدير أدلتها دون معقب عليها من محكمة التمييز متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة مستمدة مما لها أصل ثابت في الأوراق؛
وإن لها السلطة التامة في تقدير تقرير الخبرة باعتباره من أدلة الدعوى، فلها إذا رأت في حدود هذه السلطة الأخذ به لاقتناعها بصحة أسبابه أن تحيل إليه دون ان تكون ملزمة من بعد بالرد استقلالا على الطعون الموجهة إليه إذ في أخذها به محمولاً على أسبابه ما يفيد انها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق الرد عليه بأكثر مما تضمنه التقرير، ولا تثريب عليها ان هي لم تجب الطاعنين إلى طلبهما بندب لجنة خبره أخرى طالما وجدت في تقرير لجنة الخبرة المقدم أمامها ما يغنيها عن ذلك، ولا عليها ان هي لم تتتبع الخصوم في شتى مناحى أقوالهم وحججهم طالما كان في أخذها بالأدلة التي أسست عليها حكمها ما يتضمن الرد الضمني المسقط لتلك الحجج.
ومن المقرر في قضاء هذه المحكمة انه على الطبيب أو الجراح ان يقوم بواجبه حيال مريضه بقدر معقول ومناسب من الكفاءة والمهارة، وعليه ان يبذل في عمله درجة عاليه من العناية والاهتمام واليقظة؛ والمعيار في ذلك هو ما يقبله اهل المهنة المهرة اليقظين ممن يفترض ان يكون هو في مستواهم.
وتقدير القيام بالواجب المناط به بالدرجة المطلوبة منه من عدمه وفقاً لهذا المعيار تستقل به محكمة الموضوع دون رقابة عليها من محكمة التمييز طالما أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها معينها في أوراق الدعوى.
لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد خلص في قضائه إلى خطأ الطاعن الثاني استناداً إلى ما توصلت إليه اللجنة الطبية المنتدبه في تقريرها الأصلي والتكميلي وعلل قضاءه بقوله إن ((الاستئناف ينصب بمجمله على ما يدعياه من بطلان تقرير اللجنة الطبية أمام محكمة أول درجة المؤرخ 29-1-2008 وعلى عدم رد اللجنة الطبية على اعتراضات المستأنفين (الطاعنين) المقدمة أمام محكمة أول درجة بمذكرتهما المؤرخة 20-4-2008. وحيث إنه بشأن اعتراض المستأنفة على ما ورد بتقرير اللجنة الطبية من انها قابلت الطبيب ------------الذي أجرى العملية للمدعى رغم عدم صحة ذلك ... فان هذا الاعتراض في غير محله ولا ينال من تقرير اللجنة الطبية المؤرخ 29-1-2008 ذلك انه بالرغم من وجود محضر مقابلة الطبيب --------------------- مؤرخ 15-6-2007 وموقع عليه من أعضاء اللجنة الطبية الثلاث الا ان هذا المحضر لم يتضمن اقولاً للطبيب المذكور كما لم يستند تقرير اللجنة الطبية إلى ثمة قول منسوب إلى الطبيب المدعى عليه في هذا المحضر أما ما ورد بتقرير اللجنة الطبية (من ان الترخيص الطبي للجراح الذي قام بالعملية لا يسمح له باجراء هذا النوع من العمليات وانه يقتصر على العلاجات الدوائية لحالات الإذن والأنف فقط دون العمليات الجراحية) فهذا ثابت بصورة مزاولة مهنة الطب المقدم ضمن حافظة مستندات المستأنف أمام محكمة أول درجة بجلسة 20-4-2008 حيث ورد فيها (طبيب أخصائي انف وإذن وحنجرة - أجرى عمليات صغرى فقط) بينما ورد في ملاحظات العملية التي أجراها المذكور والمقدمة منه ضمن حافظة المستندات آنفة الذكر انه أجرى العملية تحت التخدير الكامل مما يدل على انها عملية كبرى وليست عملية صغرى، هذا من جهة ومن جهة أخرى فانه حتى وان كان مرخصاً له بإجراء مثل هذه العملية فان الترخيص لا يحصنه من مسئولية أخطائه الطبية ان وجدت مما يتعين معه رفض هذا الاعتراض ... وحيث إن ما أورده المستأنفان من مطاعن على موضوع تقرير اللجنة الطبية وما توصلت إليه فهو في غير محله؛ ذلك ان تقرير اللجنة الطبية قد أورد انه (تبين من دراسة الوثائق المرفقة انه قد أجريت للمريض المذكور عملية إعادة لعملية سابقه لتصحيح وضعية الحاجز الأنفي حيث كان يعاني من انسداد الأنف) وهذا الذي أورده تقرير اللجنة الطبية ثابت بملاحظات العملية الصادر عن الطبيب المستأنف والمقدم من المستأنف ذاته ضمن حافظة مستنداته أمام محكمة أول درجة بتاريخ 20-4-2008 حيث ورد فيه (تحت التخدير الكامل وبصعوبة استطعت الدخول إلى الحاجز الأنفي بسبب اعوجاج الغضروف وفي جزء من الحاجز العضمي المصاب جداً ثم إزالته وكذلك جزء من حاجز الماكسيلا) كما ورد بتقرير اللجنة الطبية (ثم خرج من المستشفى بعد ثلاثة أيام ثم عاد مرة أخرى بعد خمسة أيام وكان يشتكى من ارتفاع درجة الحرارة وآلام البلعوم والسعال والشعور بالدوار والاقياء مع نزول سائل شفاف من الأنف وكان تشخيص الحالة انه قد حصل لديه تسرب من السائل الدماغي الشوكي بسبب الجراحة المذكورة) وهذا الذي أورده تقرير اللجنة الطبية ثابت بالتقرير الطبي الصادر عن الطبيب الجراح المستأنف المؤرخ 9-9-2006 ضمن حافظة مستندات المدعى المرفقة بصحيفة دعواه حيث جاء فيها (لاحظنا بعد عدة أيام على إجراء العملية سيلان من فتحه الأنف اليمنى ولقد تشككنا بوجود سيلان للسائل المخي النخاعي وهذا ما أثبته التصوير بالرنين المغناطيسي والتخطيط الموضعي على الصحيفة الغرباليه) وحيث ان اللجنة الطبية قد قررت انه لدى كشف اللجنة الطبية على المريض تبين انه لا زال لديه تشوهاً واضحاً في الحاجز الأنفي متسبباً في انسداد الأنف كما تبين ان هناك نقصاً في الدعم الغضروني في الحاجز الأنفي وهو المسئول عن التشوه في شكل الأنف، أيضا هناك بقايا لحمية تزيد من انسداد الأنف. وان الجراح الذي أجرى العملية قام باستئصال جزء مهم من غضروف الحاجز الأنفي؛ وانتهى تقرير اللجنة الطبية إلى انه (وخلاصة الفحص والتدقيق تبين انه لا زال لدى المريض تشوه وانسداد انفي وان علاجه يحتاج لعملية أخرى حيث إن العملية السابقة لم تكن صحيحة ولا كاملة وبالتالي لم تحقق للمريض شفاء حالته ويجدر بالذكر ان الترخيص الطبي للجراح الذي قام بالعملية لا يسمح له بإجراء هذا النوع من العمليات ... وخلاصة الأمر انه كان هناك إهمال من الجراح وخطأ في علاج المريض حيث انه لم تجر العملية بحسب المعايير الدولية المتعارف عليها. وحيث انه بناء على كل ذلك ... فان المحكمة تطمئن إلى ما خلصت إليه الخبرة الطبية الثلاثية من ان هناك إهمال من الجراح ولم تجر العملية بحسب المعايير الدولية المتعارف عليها مما يستوجب مسئولية المستأنف الأولى باعتبارها مسئولة عن أعمال تابعها ومسئولية المستأنف الثاني مسئولية تقصيرية ناشئة عن خطئه آنف الذكر)) وإذ كان هذا الذي خلص إليه الحكم سائغاً وله ما يسانده في الأوراق وكافيا لحمل قضائه فان النعى عليه بما سلف لا يعدو ان يكون جدلا فيما تستقل بتحصيله وتقديره محكمة الموضوع من أدلة الدعوى وهو ما لا تقبل إثارته أمام محكمة التمييز.
وحيث ان الطاعنين ينعيان على الحكم المطعون فيه بالوجه الرابع مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه والقصور في التسبيب برفضه دعوى الضمان الفرعية المقامة منهما على شركة التأمين بمقولة ان وثيقة التأمين قد نصت على ان المبلغ القابل للخصم هو 50.000 دولار أمريكي للحادثة وان ما قضت به المحكمة هو مبلغ 150.000 درهم فقط حال ان وثيقة التأمين تغطي الحادث المطالب بالتعويض عنه بما يلزم شركة التأمين بما يحكم به على المؤمن له دون النظر إلى التحديد المذكور إذ فيه إسقاط لحق المؤمن له في الحصول على التعويض التأميني ذلك انه من المقرر قانوناً انه يسقط ويقع باطلاً كل شرط يرد في وثيقة التأمين ويكون تعسفياً ويجب عدم اعماله خاصة وانه من الشروط المطبوعة؛ وبافتراض صحة الشرط الذي يحدد التزام شركة التأمين كان ينبغي على المحكمة ان تقضي للطاعنين بالفرق بين ما ورد في وثيقة التامين وبين ما حكمت به عليهما. وإذ لم تفعل ذلك فان حكمها يكون معيباً بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعى غير سديد ذلك ان النص في المادة 1026 (1) من قانون المعاملات المدنية على ان ((التأمين عقد يتعاون فيه المؤمن لهم والمؤمن على مواجهة الاخطار أو الحوادث منها ...)) مفاده ان عقد التأمين هو عقد تسوده الصفة التعويضية يلتزم فيه المؤمن بالتعويض في حدود مسئوليته المنصوص عليها في وثيقة التأمين وان الغرض من هذا العقد هو إنشاء التزامات معينة بقصد تغطية خطر معين يتم عليه الاتفاق في حدود وبشروط معينة بما موداه انه يجوز للمؤمن ان يحدد نطاق الضمان بان ينص على استبعاد بعض المخاطر وزيادة قيمتها أو ان يحدد مدى التزامه في التعويض على أسس وشروط محددة معلومة طالما لم يتعسف في هذه الشروط أو لم تنطو هذه الشروط على إسقاط حق المؤمن له في الضمان بصفة مطلقة.
وإن النص في المادة 1028 من ذات القانون على ان ((يقع باطلاً كل ما يرد في وثيقة التأمين من الشروط التالية (( (أ) .... (ب) .... (ج) كل شرط مطبوع لم يبرز بشكل ظاهر إذا كان متعلقاً بحالة من الأحوال التي تؤدي إلى بطلان العقد أو سقوط حق المؤمن له. (د) .... (هـ) كل شرط تعسفي يتبين انه لم يكن لمخالفته اثر في وقوع الحادث المؤمن منه)) مفاده ان المحكمة لا تبطل من شروط عقد التأمين الا ما كان منها تعسفيا ولا أثر لمخالفته في وقوع الحادث المؤمن منه،
وان شرط تحديد المسئولية ومدى التزام المؤمن بالتعويض وقيمته لا يبطل عقد التأمين بل يظل العقد صحيحاً طالما اتفق عليه صراحة في العقد أي ان الاتفاق بشأنه كان صريحاً لا غموض فيه وطالما أبرز هذا الشرط بشكل ظاهر اذا ورد ضمن الشروط المطبوعة وطالما لا توجد شروط أخرى مخطوطة أو مدونة بخط اليد أو على الآلة الكاتبة وتعارض معها الشرط المطبوع ذلك ان الشروط المطبوعة ينفرد بتدوينها المؤمن مما يتيح له فرصة التعسف بوضع شروط يراعى فيها مصالحه دون مصلحة المؤمن له وهو الجانب الضعيف في العلاقة التأمينية.
وإن شرط تحديد ادنى وأعلى مبلغ يغطى في حدوده المؤمن المؤمن له لا يتعارض مع طبيعة عقد التأمين ومقتضاه لانه ليس شرط سقوط للمسئولية التأمينية على اطلاقها حيث إنه لا يحرم المؤمن له من حقه في الضمان بصفه مطلقة بما يجعله شرطاً تعسفياً بل يرتب التغطية التأمينية على بلوغ التعويض الذي يعوض به المصاب إلى مدى معين.
وإن استخلاص تعسف الشرط الوارد في عقد التأمين وإن كان شرط إسقاط أي شرط إسقاط حق المؤمن له في الضمان بصفة مطلقة من عدمه هو مما تستقل به محكمة الموضوع بما لها من سلطة في تفسير العقود وتحصيل الواقع في الدعوى ولا معقب عليها في ذلك من محكمة التمييز متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها ما يساندها في الأوراق.
لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد قضى برفض الدعوى المقامة من الطاعنين على شركة التأمين المطعون ضدها الثانية تأسيساً على انه قد نص في الصفحة الثانية من وثيقة التأمين المقدمة من الطاعنة (المؤمن لها) ضمن حافظة مستنداتها بجلسة 28-4-2008 على ان ((المبلغ القابل للخصم 50.000 دولار أمريكي لكل حادثه واحده)) وهو مبلغ يتجاوز مبلغ التعويض الذي قضى به على الطاعنين والبالغ 50.000 درهم وبالتالي لا يحق لهما الرجوع به على المؤمن لتغطيته طالما لم يصل الحد المتفق على تغطيته فان الحكم المطعون فيه لا يكون قد خالف القانون أو اخطأ في تطبيقه ويكون النعى عليه قائماً على غير أساس.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض هذا الطعن.
وحيث إن الطعن رقم 238/ 2009 مدني قد أقيم على سبب واحد من أربعة أوجه ينعى بها الطاعن على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع وحاصل ما يقوله في بيان ذلك ان مبلغ التعويض المقضى به له لا يتناسب مع ما أصابه ولا يساويه وان الحكم المطعون فيه لم يراع حجم الإصابة التي حدثت له حيث انه موظف بشركة ادجاز للبترول وطبيعة عمله تعتمد أساسا على حاسة الشم والتي فقدها مما يفقده عمله ويقضى عليه بالموت إذا ما تجرع جرعة اكبر لفقدانه حاسة الشم والتذوق. ولديه صداع مستمر وحالة عدم اتزان وتقيؤ ويلازمه الخوف ولا يستطيع الركوع والسجود والإنحاء وأصيب بحالة نفسية وآلام عضوية لا يغطيها أي قدر من التعويض. وإن الخطأ الطبي الذي وقع فيه المطعون ضده الثاني تسبب له في انسداد في الأنف مما اجبره على التنفس من الفم مما يعرضه للموت اذا أصيب بالتهاب في فمه أو حنجرته - وإن التقارير الطبية توضح - وبحق - حالته ولكن الحكم لم يأخذ بما جاء بها برفضه التعويض بما يتلآم ويتناسب مع حجم الإصابة حسبما بينتها هذه التقارير، وهو محتاج إلى عملية فتح الجمجمة وسد الفتحة وقد يحتاج الأمر إلى علاجه بالخارج مما يتطلب مصاريف ونفقات باهظة. وإذ قضى له الحكم بهذه التعويض الضئيل فانه يكون مستوجباً النقض.
وحيث إن هذا النعى مردود إذ استقر قضاء هذه المحكمة على ان تقدير التعويض ومراعاة الظروف الملابسة في تحديد مبلغ التعويض الجابر له هو من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع ما دام ان القانون لم يوجب إتباع معايير معينة للتقدير، ولا رقابة عليها في ذلك من محكمة التمييز طالما بينت عناصر الضرر ووجه احقية طالب التعويض فيه من واقع ما هو مطروح عليها في الأوراق وذلك دون ان تلتزم ببيان المبلغ الذي قدرته بالنسبة لكل عنصر على حده فيجوز لها ان تقضي بتعويض إجمالي عن العناصر المستوجبة للتعويض.
وإن ما يتحصل عليه المضرور ان هو الا تعويض لإصلاح أو جبر للضرر وليس له ان يتوقع ربحاً من المأساة.
لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد بين عناصر الضرر المحققة الموجبه للتعويض - وذلك على نحو ما تقدم إيراده في الرد على أسباب الطعن السابق - فان النعى عليه بمقولة ان ما قضى به من تعويض هو مبلغ ضئيل لا يتناسب مع حجم الضرر لا يعدو كونه جدلاً في سلطة محكمة الموضوع في تقدير التعويض وهو ما تنحسر عنه رقابة هذه المحكمة.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض هذ الطعن.

* * *