طعن رقم 79 لسنة 18 القضائية
صادر بتاريخ 27/10/1996
هيئة المحكمة: الرئيس الحسيني الكناني والمستشاران: عبد الوهاب عبدول ومصباح مصطفى حلبي.
1- سلطة محكمة الموضوع في تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتفسير الاقرارات والاتفاقات شرط إقامة قضائها سائغا.
2- صحة الحكم المنتهي الى إستخلاص عدم إنهاء الشركة عمل المدير لديها لثبوت قيامها بتعليق عمله الى حين الفصل في دعوى الاختلاس المتهم بها.
3- عدم بدء سريان مدة التقادم على سماع الدعوى العمالية في حال ايقاف العامل عن العمل مؤقتا دون إنهاء خدمته.
4- اعتبار أثر الاستئناف الناقل متمثلاً بنقل الدعوى أمام محكمة الاستئناف في حدود طلبات المستأنف.
5- عدم إستحقاق العامل أجرة عن مدة وقفه المؤقت عن العمل.
6- التفات الحكم المطعون فيه عن دفاع الطاعنة الجوهري المغيرّ وجه الرأي في الدعوى عند تحقيقه معيب له بالاخلال بحق الدفاع.
7- بطلان الحكم في حال التناقض في أسبابه لناحية تعذر معرفة الاساس المبني عليه.
8- عدم إلزام القاضي بإصدار حكم واحد في الدعويين بعد ضمهما.
المحكمة،
بعد الاطلاع على الاوراق وتلاوة تقرير التلخيص والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية
وحيث إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في أن المطعون ضده أقام الدعوى العمالية رقم 93/36 أمام المحكمة الابتدائية الكلية بأبو ظبي على الطاعنة ومالكها ........... بطلب الحكم بإلزامهما بالتضامن والتكافل بأن يدفعا له راتبه من تاريخ 91/9/28 مبلغ 000ر160 درهم وبدل السكن المستحق له من تاريخ توقفها عن سداده في 91/10/31 مبلغ 000ر100 درهم وبدل سيارة المستحق له من تاريخ استلام السيارة المخصصة له من 91/10/6 بمبلغ 000ر45 درهم ومستحقات نهاية خدمته عن فترة عمله منذ تاريخ 82/9/28 مبلغ 665ر95 درهما وذلك حتى تاريخ رفع الدعوى، وبدل إنذار بمبلغ 000ر10 درهم على سند من القول: إنه عمل لدى الطاعنة منذ أغسطس سنة 82 بوظيفة مدير عام نظير راتب أساسي قدره 000ر10 درهم بالاضافة الى السكن المؤثث و40% من أرباحها. وبتاريخ 91/9/28 تسلم كتابا من مالك الطاعنة يطالبه فيه بتسليم ما لديه من مستندات وما بعهدته الى شخص آخر، كما طلب منه عدم الحضور للمؤسسة الا بناء على طلب منه لحين الانتهاء من كافة أعمال الحسابات وإيضاح الموقف المالي للمؤسسة – الطاعنة- وأنه بتاريخ 91/10/8 تسلم منه كتابا آخر يطالبه فيه بتسليم الملفات الخاصة بالمؤسسة خلال شهر من تاريخه. ولما كان قد سلم جواز سفره الى مالك المؤسسة وما زال موقوفا عن العمل ولم يتسلم من الطاعنة وصاحبها ما يفيد إعادته للعمل أو فصله عنه رغم المحاولات الودية فقد قدم شكوى الى دائرة العمل التي أرسلت كتابها المؤرخ في 93/1/5 الى المحكمة المختصة لتعذر التسوية الودية بين الطرفين. دفعت الطاعنة بعدم سماع الدعوى واحتياطيا بإيقافها ريثما يفصل في الدعوى الجزائية رقم 1992/1506 المقامة منها ضده باتهامه باختلاس أموال المؤسسة وإساءة إدارتها. وبجلسة 93/11/24 قضت المحكمة بوقف الدعوى المدنية رقم 93/36 تعليقا لحين الفصل في الدعوى الجنائية رقم 92/1506 بحكم بات.. وبتاريخ 94/2/16 حكمت المحكمة الجنائية ببراءة المطعون ضده وأصبح حكمها باتا فاستأنفت الدعوى المدنية سيرها. وبجلسة 94/10/31 قضت المحكمة بإلزام صاحب الطاعنة أن يؤدي للمطعون ضده مبلغ 933ر160 درهما مع ما يستحقه من بدل السكن حتى شهر بعد استلامه لمستحقاته أو إيداعها خزينة المحكمة.... ورفض ما عدا ذلك من مبالغ وطلبات. استأنفت الطاعنة وصاحبها الحكم بالاستئناف رقم 94/939 وبجلسة 96/1/27 حكمت محكمة استئناف أبو ظبي بقبول الاستئناف شكلا ورفضه موضوعا. كما استأنفه المطعون ضده بالاستئناف رقم 94/825 وبجلسة 95/6/17 حكمت المحكمة ذاتها بقبول الاستئناف شكلا وبرفضه موضوعا وتأييد الحكم المستأنف.
طعنت الطاعنة وصاحبها على الحكم الصادر في الاستئناف رقم 94/939 بطريق النقض.
وحيث إن الطعن أقيم على سببين تنعي الطاعنة بالوجه الاول من السبب الاول على الحكم المطعون فيه الفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب ذلك أن الثابت من مدونات الحكم الصادر فيه أنه أقام قضاءه على سند من القول إن أيا من الخطابين المؤرخين في 91/9/28 و91/10/8 الموجهين من الطاعنة الى المطعون ضده لا يفيد صراحة أو ضمنا إنهاء رب العمل – الطاعنة – لخدمة المطعون ضده مع أنه على فرض أن كتابها الاول يفيد إيقاف العامل عن العمل ليس من مقتضياته تسليم السيارة المخصصة له أو تسليم المسكن الذي يشغله.. بل إن صحيفة الدعوى تؤكد أن كتاب الطاعنة الثاني هو إنهاء لخدمات المطعون ضده وإن زعم أنه أوقف عن العمل، إذ أن مؤدي إيقافه وقف سريان عقد العمل فلا يستحق أجرا الا بعد زوال سبب الايقاف أي قبل الانتهاء من الفصل في الدعوى الجنائية المقامة ضده كما أن من بين طلباته مكافأة نهاية الخدمة وبدل الانذار وقد خلت الاوراق من الدليل على أن الطاعنة وجهت اليه ما يفيد أنها أنهت خدماته بعد كتابيها المشار اليهما ومن ثم فإن تاريخ الكتاب الثاني 91/10/8 هو الذي تسري منه مدة عدم سماع الدعوى بشأن مستحقاته الناشئة عن العقد أو القانون ولا ينال من ذلك ما ذهب اليه الحكم المطعون فيه من أن وكيل الطاعنة قرر بتحقيقات الشرطة أن المطعون ضده قد أوقف عن العمل عند اكتشاف الاختلاسات ومن أنه ثبت في الحكم الجزائي رقم 92/1506 ما يفيد الجزم بإيقاف المطعون ضده منذ سبتمبر 91 ذلك إنه وان تضمنت أسباب الحكم الجنائي ذلك الا أنه لا يجوز حجيته امام القاضي المدني ويعتبر تزيدا لانه فصل في أمر غير لازم في الدعوى فضلا عن أن الحجية لا تثبت الا للمنطوق فقط وللأسباب التي ترتبط به ارتباطا لا يقبل التجزئة، وان قول الحكم انه لو كانت الطاعنة تقصد إنهاء خدمة المطعون ضده لأصدرت قرارا صريحا بذلك مع أن القانون لم يشترط صيغة معينة لقرارات إنهاء خدمة العاملين وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون معيبا بالفساد في الاستدلال بما يوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي مردود ذلك انه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن تحصيل فهم الواقع في الدعوى ووزن البينات فيها وتفسير الاقرارات والاتفاقات والمشارطات وسائر المحررات بما تراه أوفى بمقصود عاقديها هو من سلطة محكمة الموضوع ما دامت قد أقامت قضاءها على اسباب سائغة لها معينها في الاوراق بما يكفي لحمل قضائها.
لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على "أن أيا من الخطابين المؤرخين في 91/9/28 و91/10/8 لا يعد صراحة ولا ضمنا إنهاء رب العمل (المستأنفين) لخدمة المستأنف ضده بالمؤسسة وإنما يفيد مدلول الاول منهما إيقاف الاخير عن العمل مؤقتا لحين الانتهاء من كافة أعمال الحسابات وإيضاح الموقف المالي للمؤسسة خلال فترة عمله بها وحتى تاريخه (تاريخ الكتاب) أما الكتاب الثاني فلا يدل مضمونه لا على الانهاء أو الايقاف انما يحمل تكليف المستأنف ضده بتسليم بعض العهد وجواز سفره،
ويظاهر هذا الرأي ما يلي:
أ- أن الثابت من تحقيق الشرطة على لسان وكيل المستأنف الثاني صاحب المؤسسة بتاريخ 92/5/18 انه قد تم إيقاف المستأنف ضده عن العمل عند اكتشاف الاختلاسات التي قام بها ولا ريب أن ذلك القول يعد إقرارا غير قضائي ملزما للموكل لصدوره من وكيله بمناسبة تحقيق بالشرطة.
ب- أنه أثبت في قضاء الحكم الجنائي رقم 92/1506 جنح أبو ظبي ما يفيد الجزم بإيقاف المستأنف ضده عن العمل منذ سبتمبر 91.
ج- انه لو كان المستأنفان يقصدان إنهاء خدمة المستأنف ضده أو فصله من الخدمة لإصدار القرار الجازم الصريح في هذا الصدد شأنه في ذلك القرار الصادر منهما بإنهاء خدمة السيدة ........ سكرتيرة المؤسسة.
إذ كان ذلك وكان حسبما سلف أن الكتابين لا يشيران الى إنهاء أو فصل المستأنف ضده من الخدمة وكان مدلول أولهما يفيد إيقافه عن العمل فحسب وكان الوقف لا يشكل بذاته بدءا لاستحقاق العامل لحقوقه أو الحق في المطالبة بها ذلك انه من المحتمل أن يقوم رب العمل بعد الوقف بإعادة العامل الموقوف الى عمله ومع هذا الاحتمال لا يسوغ أن يبدأ به مرور الزمان المسقط لحقوقه وانما يكون بدء الاستحقاق القانوني في مثل التداعي الراهن- عند التقرير بإنهاء العقد سواء كان الانهاء بالإخطار القانوني أو بدونه أي بطريق الفصل التعسفي بحيث يقع ذلك بصفة قاطعة جازمة لا شبهة معها بما يفيده اتجاه إرادة رب العمل الجازمة على هذا الانهاء لخدمة العامل. وإذ خلت الاوراق من ثبوت إنهاء المستأنفين لخدمة المستأنف ضده لديها فإن الدفع المبدي منهما والنعي على الحكم المستأنف بعدم جواز سماع الدعوى لمرور الزمان المسقط يكون على غير سند من الواقع أو القانون
وكان الثابت أن المستأنف ضده أقام دعواه قبل مضي السنة منذ لجوئه لوزارة العمل بتاريخ 93/1/5 إذ أقامها بتاريخ 93/1/25 قبل أن يلحقها السقوط بما يضحي معه هذا الدفع وهذا النعي فاقدي الاساس بما يحق به رفض الاستئناف". وإذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه على ذلك فإنه يكون قد أقامه على أسباب سائغة لها معينها في الاوراق بما يكفي لحمل قضائه، ومن ثم فإن ما أثارته الطاعنة في وجه النعي يعد جدلا موضوعيا لا يجوز إثارته امام محكمة النقض وبالتالي فإن النعي لا يقوم على أساس.
وحيث إن الطاعنة تنعي في الوجه الثاني من السبب الاول على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب والاخلال بحق الدفاع ذلك أن الثابت أن الطاعنة أوردت – في مذكرتها امام محكمة اول درجة والتي تمسكت بها مكملة لأسباب استئنافها – دفاعا مؤداه انه مع التسليم الجدلي بأن المطعون ضده كان موقوفا عن العمل فهو لا يستحق اجرا عن مدة الوقف أو ملحقات الاجر وغيره من المزايا التي ينص عليها عقد العمل، إذ أن مؤدى إيقافه هو إيقاف سريان العقد وهو لم يدع أن له مستحقات قبل تاريخ 91/10/8 وإذ لم يعمل الحكم المطعون فيه الاثر الناقل للاستئناف والتفت عن هذا الدفاع وحجب نفسه عن تحقيقه رغم انه دفاع جوهري قد يتغير به الرأي في الدعوى مما يعيب الحكم المطعون فيه بوجه النعي بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله ذلك أن الفقرة الثانية من المادة 165 من قانون الاجراءات المدنية رقم 92/11 أوجبت على محكمة الاستئناف أن تنظر الاستئناف على أساس ما يقدم لها من أدلة ودفوع وأوجه دفاع جديدة وما كان قد قدم من ذلك للمحكمة الابتدائية، ومن ثم فإن الاستئناف ينقل النزاع في حدود طلبات المستأنف الى محكمة الدرجة الثانية وبعد مطروحا عليها ما أبداه من دفوع وأوجه دفاع طالما أنه لم يتنازل عنها الامر الذي يوجب الاستئناف أن تواجه عناصر هذا النزاع "الواقعية والقانونية على السواء".
لما كان ذلك وكانت المادة 112 من قانون العمل رقم 80/8 المعدل بالقانون رقم 12 لسنة 86 تنص على أن العامل لا يستحق أجرا عن مدة الوقف المؤقت عن العمل،
كما تنص على اداء أجره كاملا عن المدة المذكورة إذا كان وقفه عن العمل كيديا من جانب صاحب العمل. وكان البين من الاوراق أن الطاعنة أثارت في مذكرتها المقدمة الى محكمة اول درجة والى محكمة الاستئناف الدفاع المشار اليه بوجه النعي وتمسكت به ورغم ذلك فإن الحكم المطعون فيه لم يواجه هذا الدفاع ايرادا وردا مع أنه دفاع جوهري قد يتغير بتحقيقه وجه الرأي في الدعوى ومن ثم هذا الحكم يكون معيبا بالقصور في التسبيب وبالاخلال بحق الدفاع بما يوجب نقضه نقضا جزئيا في هذا الصدد.
وحيث إن الطاعنة تنعي في السبب الثاني على الحكم المطعون فيه التناقض في أسبابه مع أسباب الحكم الصادر في الاستئناف رقم 94/825 المنضم للاستئناف محل الطعن بين ذات الخصوم وعن ذات الموضوع والصادر من نفس الدائرة ذلك أن الثابت أن الحكم الصادر في الاستئناف رقم 94/825 أورد في أسبابه أن كتابي الطاعنة الى المطعون ضده المؤرخين في 91/9/28 و91/10/8 هما انهاء لخدماته وان كان لم يرتب النتائج القانونية على ذلك والقضاء بعدم سماع الدعوى بينما انتهى الحكم محل الطعن في أسبابه الى أن هذين الكتابين لا يعتبران انهاء لخدماته.. وان الثابت أن الحكم في الاستئناف رقم 94/825 صادر عن نفس الدائرة لا عن دائرة اخرى وان الثابت أن الحكم المذكور صدر بإجماع الآراء وليس من رأي مخالف بمعنى أن عضوين من هيئة المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه كانا قد وافقا على الحكم الصادر في الاستئناف رقم 94/825 محمولا على أسباب تتناقض مع الحكم المطعون فيه وهو ما حدا بأحد أعضاء الهيئة أن يسجل مخالفته في الحكم وان هناك حقيقة اجرائية بترها الحكم المطعون فيه وهو قرار المحكمة بضم الاستئنافين ليصدر فيهما حكم واحد لوحدة الخصوم والموضوع وأكد ذلك الحكم الصادر في الاستئناف رقم 94/825 في الفقرة الرابعة منه مما يعيب الحكم المطعون فيه بالتناقض بما يوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي مردود ذلك انه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن التناقض الذي يفسد الاحكام هو ما تتماحى به الاسباب ويتناقض بعضها بعضا بحيث لا يبقى بعدها ما يمكن حمل الحكم عليه.
كما انه من المقرر فقها وقضاء أن القاضي الذي يقرر ضم دعويين وهو عمل من أعمال الادارة القضائية غير ملزم بإصدار حكم واحد فيهما إذ أن له أن يحكم في إحداهما قبل الاخرى لان الغرض المقصود من ضم الدعويين هو الفصل فيها بمعرفة قاض واحد لا الفصل فيهما معا وبحكم واحد.
لما كان ذلك وكان لا يبين من الحكمين المشار اليهما تناقض بالمفهوم الذي سلف بيانه فالحكمان أيا كان رأيهما في الكتابين المؤرخين 91/9/28 و91/10/8- قد انتهيا الى تأييد الحكم المستأنف الذي استند على هذين الكتابين في قضائه وفي تفسيره لهما بما ينأى عن الحكمين وصفهما بالتناقض المفسد للأحكام كما أن البين أن محكمة الاستئناف أصدرت حكمها في الاستئناف رقم 94/825 بتاريخ 95/6/17 المرفوع من العامل المطعون ضده بالرفض، ثم أصدرت حكمها في الاستئناف رقم 94/939 المرفوع من المؤسسة الطاعنة محل الطعن- بالرفض ايضا، ومن ثم فإن المحكمة تكون قد مارست حقها في إصدار الحكمين على وجه الاستقلال لكل منهما ذاتيته واسبابه الخاصة به مما يجعل النعي في هذا السبب لا يقوم على اساس.
لذلك حكمت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه نقضا جزئيا.

* * *