طعن رقم 187، 276 لسنة 22 القضائية
صادر بتاريخ 16/10/2002 (مدني)
هيئة المحكمة: الرئيس عبد الوهاب عبدول والمستشاران محمد عبد القادر السلطي وصلاح محمود عويس.
1- اعتبار نقض الحكم جزئياً مؤدياً الى زوال الحكم المنقوض جزئياً وتحديد نطاق الإستئناف أمام محكمة النقض.
2- الزام مرتكب الفعل الضار بالتعويض عن الاضرار المادية غير المغطاة بالدية المقتصرة على ترضية الورثة نفسياً ومعنوياً عن وفاة مورثهم.
3- عدم جواز تعويض المتضرر عن أضرار مشمولة بالدية كونه مخالفاً لقاعدة عدم جواز الجمع بين تعويضين عن ضرر واحد.
4- اعتبار التعويض المستحق لافراد عائلة العامل عن وفاته نتيجة اصابة العمل جبراً للضرر المادي الحال بمعيشة هؤلاء المعتمدة في الاساس على دخل العامل.
5- اختلاف نطاق ونوع التعويض المستحق لعائلة العامل عند وفاته عن التعويض عن الاضرار المشمولة بالدية مع جواز المطالبة بالدية الشرعية وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية.
6- اعتبار الأصل إعالة الابن لوالديه وعلى المدعي خلاف ذلك إثباته.
7- اعتبار تفويت الفرصة ضرراً محققاً مستوجباً التعويض عنه على أساس الكسب الفائت.
8- سلطة محكمة الموضوع في تقدير تعويض الوفاة الناجم عن اصابة العمل والتزامها ببعض المعايير في تحديدها للتعويض عن الكسب الفائت.
المحكمة،
بعد الاطلاع على اَلأَوْرَاق، وسماع المرافعة، والمداولة قَانُونًا.
حيث إن الاستئناف سبق القضاء بقبوله شَكْلاً.
وحيث إن وَقَائِع الدعوى سبق وأن أحاط بما الحكمان الناقضان الصادران من هذه المحكمة الأول بجلسة 26/10/1999 في الطعن رقم 52 لسنة 20 ق. ع نقض مدني والثاني بجلسة 24/4/2002 في اَلطَّعنَيْنِ رقمي 187، 276 لسنة 22 ق. ع نقض مدني، مما لا ترى المحكمة دَاعِيًا لِإِعَادَة سردها مَنْعًا للتكرار والإطالة فتحيل إليهما وتكتفي بِإِيرَاد موجزها. وَحَاصِلهَا أن الطاعنين في الطعن رقم 187/22ق أقاما الدعوى رقم 345 لسنة 1996 مدني كلي أبو ظبي اختصما فيها المطعون ضدهما في الطعن المذكور طَلَبًا للحكم بإلزامهما بأن يؤديا إليهما دية مورثهما البالغة مائة وخمسين ألف دِرْهَمًا، وتعويض الوفاة عَمَلاً بالمادة 149 من قانون تنظيم علاقات العمل الاتحادي، إضافة إلى مائة ألف درهم كتعويض جابر عن فقد مورثهما. على سند من أن هذا الأخير سقط من الدور الخامس أثناء عمله لدى المطعون ضدها الأولى (شركة........ الهندسية للمقاولات) مما أدى إلى هلاكه، وأن سقوطه كان نَاجِمًا عن عدم اتخاذها الاحتياطات اللازمة لسلامة عمالها. وإذ أدخلت المطعون ضدها الثانية (شركة.......... للتأمين) في الدعوى، فقد قضت محكمة أول درجة في 31/5/1997 بإلزام المطعون ضدهما بأداء مبلغ خمس وثلاثين ألف درهم، فاستأنف الطاعنان ذلك القضاء بالاستئناف رقم 394 لسنة 1997 مدني أبو ظبي، ومحكمة أبو ظبي الاتحادية الاستئنافية قضت في 6/12/1997 بالتأييد. فطعنا عليه بالطعن رقم 52 لسنة 20 ق. ع نقض مدني، ومحكمة النقض قضت في 26/10/1999 بالنقض والإحالة. وإذ نظرت محكمة الإحالة الدعوى فقد قضت في 31/1/2001 بإلزام المطعون ضدهما بأن يؤديا للطاعنين بالتضامم مبلغ مائة وخمسين ألف درهم. ولما لم يلق هذا القضاء قبولاً من الطاعنين فقد أقاما- للمرة الثانية- طعنهما المقيد برقم 187/22 ق، كما أقامت المطعون ضدها الثانية طعنها المقيد برقم 276/22 ق. وَمَحْكَمَة النقض قضت في 24/4/2002 برفض طعن شركة التأمين الطاعنة في الطعن 276/22 ق وفي الطعن رقم 187/22 ق بنقض الحكم المطعون فيه نَقْضًا جُزْئِيًّا في خصوص تعويض الوفاة والكسب الفائت. وإذ توالت جلسات نظر الاستئناف. بمحَاضر جلسات هذه المحكمة وقدم الطرفان خلالها مذكراتهم، فقد حجزت المحكمة الدعوى للحكم لجلسة اليوم.
وحيث إن قضاء الحكم الناقض وقد قضى بنقض الحكم المطعون فيه نَقْضًا جُزْئِيًّا والتصدي لموضوع الاستئناف، ومن ثم فإن مؤدى ذلك النقض زوال الحكم المنقوض بالقدر الذي نقض وبالتالي تحديد نطاق الاستئناف أمام محكمة النقض بوصفها محكمة التصدي بالقدر الذي قضى بنقضه.
وحيث إن مبنى الاستئناف يقوم على تخطئة الحكم- بالقدر المنقوض منه- لعدم قضائه بتعويض الوفاة المقرر والمقدر بالمادة (149) من قانون تنظيم علاقات العمل، رغم ثبوت أن الوفاة حدثت أثناء ساعات العمل وبسببه، ولتوافر موجبات القضاء به، ولرفضه كذلك القضاء لهما عن تفويت فرصة ما كانا يأملانه من إنفاق مورثهما عليهما وعطفه ورعاية عليهما في شيخوختهما.
وحيث إنه وبجلسة 22/5/2002 قدمت المطعون ضدها الثانية (شركة.......للتأمين) مذكرة دفعت فيها بعدم انعقاد مسؤوليتها التأمينية عما تجاوز مبلغ مائة وخمسين ألف درهم المتفق عليها في وثيقة التأمين بحسبان أنه تأمين من مسؤولية صاحب العمل عن ما يستحقه عماله من تعويض. كما أودعت المطعون ضدها الأولى (شركة......... الهندسية للمقاولات) قلم الكتاب مذكرة تعقيبية خلصت فيها إلى طلب رفض الدعوى فيما جاوز الدية تَأْسِيسًا كلى أنه لا يجوز لمن قضي له بالدية طلب التعويض عن الضرر الأدبي، كما لا يجوز له الجمع بين تعويض الدية وتعويض الوفاة المقرر بالمادة (149) من القانون آنف الذكر، و أن المطعون ضدها الثانية مسؤولة عن كل ما يقضي عليها في حدود مليون درهم. كما أود ع الطاعنان قلم الكتاب مذكرة صمما فيها على طلب تعويض الوفاة والكسب الفائت لثبوت مبررات القضاء بهما فِقْهًا وقضاءً.
وحيث إنه عن استحقاق الطاعنْين (المستأنفين) لتعويض الوفاة، فإن قضاء هذه المحكمة استقر على أن مرتكب الفعل الضار يلزم بالتعويض عن الأضرار المادية الأخرى التي لا تغطيها الدية التي تقتصر على ترضية الورثة نَفْسِيًّا ومعنويا عن وفاة مورثهم،
وأنه لا تعارض في ذلك ونص المادة (299) من قانون المعاملات المدنية، إذ أن ما يعنيه هو عدم جواز تعويض المضرور عن أضرار استحقت الدية تعويضًا عنها لأنه في هذه الحالة يكون قد جمع بين تعويضين عن ضرر واحد و هو غير جائز شَرْعًا وَقَانُونًا،
وأن التعويض المستحق لأفراد عائلة العامل عن وفاته نتيجة إصابة العمل بمقتضى المادة (149) من القانون المذكور يقصد به جبر الضرر المادي الذي أصاب من كانوا يعتمدون في معيشتهم على دخل العامل المتوفى حين وفاته،
وهو تعويض مصدره القانون وناشئ عن عقد العمل يواجه مخاطر، ويستحق ولو لم يكن هناك خطأ من صاحب العمل، فهو بِهَذَا يختلف في نطاقه ونوعه عن التعويض عن الأضرار التي تغطيها الدية، ولا يؤدي استحقاق أفراد عائلة العامل له إلى حرمانهم من الحكم لهم بالدية المقررة شَرْعًا متى طالبوا بها وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية.
ولا يحتج على ذلك بأن نص قانون العمل المشار إليه نص خاص يقيد النص العام في شأن الدية باعتبار أن لكل منهما مَجَالًا مُسْتَقِلًّا عن الآخر. كما لا مجال لإعمال حكم المادة (6) من القانون المشار إليه في هذا الصدد.
ولما كان الثابت من الأوراق أن المورث لا وارث له سوى والداه الطاعنان، وأن المطعون ضدهما لم يثبتا أن لهما معيلاً آخر، أو أن لهما أَمْوَالاً يعتاشان من ريعها أو إيراداتها أو فوائدها، وكان من المقرر وفق أحكام الشريعة الإسلامية أن الأصل أن الابن هو الذي يعول وَالِدَاهُ في كبرهما وشيخوختهما ومن ثم تغدو الإعالة هي الأصل في هذه المرحلة، وعلى من يدعى خلافه إثبات ذلك وهو ما عجز عنه المطعون ضدهما.
وحيث إنه عن طلب التعويض عن فرصة الكسب الفائت، فإن قضاء هذه المحكمة استقر كذلك على أنه إذا كانت الفرصة أمراً محتملاً فإن تفويتها ضرر محقق، ولا مانع قَانُونًا أن يحسب في الكسب الفائت ما كان المضرور يأمل الحصول عليه من كسب ما دام لهذا الأمل أسباب معقولة.
ولما كان طلب الطاعنين التعويض عن الكسب الفائت يقوم على الادعاء، بأن وفاة مورثهما فوّت عليهما فرصة كسب عطفه وحنانه ورعايته لهما سيما وأنهما شيخان كبيران تقدم بهما العمر ولا معيل لهما غيره، وأنهما كانا يأملان إنفاقه عليهما في كبرهما، وكان لهذا الأمل أسباب معقولة خاصة وأن مورثهما كان يعمل ويحصل على آجر من عمله، وأنه كان في مقتبل عمره وأنه كان معيلهما الوحيد، مما يتعين معه القضاء لهما بهذا التعويض.
وحيث إنه عن مسؤولية المطعون ضدهما عن دفع التعويضين المشار إليهما، فإن الثابت من قضاء الحكم الناقض الصادر في الطعن رقم 52 لسنة 20 ق.ع نقض مدني أنه قطع بتوافر اَلْخَطَأ في جانب المطعون ضدها الأولى (شركة......... الهندسية للمقاولات ) وحدها لإخلالها بالالتزامات القانونية الواجبة عليها عملاًً بقانون العمل والقرارات الصادرة تَنْفِيذًا له، من ثم فإن مسؤوليتها عن خطئها يكون ثَابِتًا بحكم قضائي بات. كما أن الثابت من الأوراق أن مسؤولية شركة............ للتأمين مسؤولية تابعة لمسؤولية شركة......... الهندسية للمقاولات. إذ البين من وثيقة التأمين أن شركة......... الهندسية للمقاولات.. (المؤمن له) أمنت لدى شركة.........للتأمين (المؤمن) على مسؤوليتها عن إصابات أو وفاة عمالها الذين يعملون و خدمتها مباشرة أثناء وبسبب العمل، وأن المؤمنة تكون مسؤولة عن دفع كافة المبالغ التي سيكون المؤمن له مسؤولا عنها وفقاً للقانون العام وبما لا يتجاوز مليون درهم في المجموع الكلي للمسؤولية، وإذ تحققت مسؤولية شركة......... الهندسية للمقاولات التقصيرية بحكم بات ومن ثم فإنها والمطعون ضده الثانية (شركة...... للتأمين) تكونان مسؤولتين بِالتَّضَاممِ عن دفع التعويض الوارد في هذا الحكم.
وحيث إنه عن مقدار التعويضين المطالب بهما، فإن المحكمة وبما لها من سلطة في تقدير التعويض، تقدر تعويض الوفاة بالحد الأقصى المحدد بالمادة (149) من قانون العمل الاتحادي رقم 8 لسنة 1980 والبالغ خمس وثلاثين ألف درهم. أما التعويض عن تفويت فرصة الكسب، فإن المحكمة تضع في اعتبارها وهي تحدد مقداره أن المورث كان يعمل بأجر شهري، وأنه كان قد أكمل الثلاثين من عمره يوم وفاته، وأن احتمالات امتداد عطائه كعامل يصل إلى العشرين سنة أخرى، وأنه كان يعول أبويه، ومن ثم وَأَخَذَا بما سلف فإنها تقدر مبلغ الإعالة بثلاثمائة درهم شَهْرِيًّا ولمدة عشرين عَامًا (300×12×20=72.000) درهم.
وحيث إنه لما سلف.
حكمت المحكمة....... الخ.

* * *