الطعن رقم 1 لسنة 2009 هيئه عامة (المقيد برقم 355 لسنة 28 تجاري)
صادر بتاريخ 25/05/2009
هيئة المحكمة: السيد القاضي/الدكتور عبد الوهاب عبدول - رئيس المحكمة ، وعضوية السادة القضاة : خليفة سعدالله المهيري ، شهاب عبدالرحمن الحمادي ، فلاح شايع الهاجري ومنير توفيق صالح.
1- ممارسة البنوك التجارية في الإمارات نشاط الاتجار في العملات الأجنبية والمعادن النفيسة استناداً إلى أحكام ونصوص قانون المصرف المركزي.
2- اعتبار قانون المصرف المركزي ساري المفعول ومطبق في ظل عدم الغائه بموجب نص آخر صراحة أو ضمناً.
3- التزام المدعي ببطلان أي عمل من أعمال البنوك بتحديد سبب البطلان واثباته شأنه شأن أي بطلان لعقد من العقود المنظمة قانوناً.
4- لا مجال لاعلان بطلان كل عقود البيع لمجرد ثبوت تعيب إحداها بشائبة البطلان.
5- وجوب العدول عن الأحكام الرامية إلى بطلان عمليات الاتجار في العملات الأجنبية والمضاربة على أسعارها ارتفاعاً أو انخفاضاً لاتسامها بالمقامرة والرهان ومخالفتها أحكام الشريعة الإسلامية لكونها مخالفة لقانون المصرف المركزي واغفالها التحقق من طبيعة القيود التي تجريها البنوك وفق الأنظمة والتقنيات الحديثة.

قانون اتحادي رقم 10: في شأن المحكمة الاتحادية العليا (مادة 65)
6- اعتبار التثبت من وجود التسليم الحكمي للأصول والمعادن المودعة وانتفاء الضرر مبرئاً عمليات المضاربة في البنوك من شبهة البطلان ومخالفة القانون.
المحكمة
حيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن المطعون ضده أقام الدعوى 84 لسنة 2000 مدني كلي أبوظبي اختصم فيها البنك الطاعن بطلب الحكم ببطلان عقد الوكالة المؤرخ 15/10/1998 والمتعلق بحساب المتاجرة في العملات الأجنبية، وإلزامه بأن يؤدي إليه مبلغ -/8.390.734 دولار أمريكي والتي دفعها للبنك، وتعويضه بمبلغ مماثل. على سند من أن البنك استدرجه للتوقيع على وكالة متعلقة بحساب متاجرة في العملات وأودع عند التعاقد مبلغ نصف مليون دولار أمريكي وأضاف إليه مبالغ أخرى إلى أن وصل المبلغ إلى 8.390.734 دولار، ثم تلقى بتاريخ 29/1/2000 خطاباً من الطاعن يفيد أن رصيد حسابه المتبقي حوالي ثلث مليون دولار. ولما كان العقد قد ورد على محل غير مشروع وهو المراهنة على ارتفاع وانخفاض أسعار العملات، ومن ثم فإنه يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً بما يرتب إلزام الطاعن برد المبالغ المدفوعة كأثر للبطلان. ومحكمة أول درجة قضت في 29/5/2000 بعدم جواز نظر الدعوى لوجود شرط التحكيم. استأنف المطعون ضده هذا الحكم بالاستئناف 601 لسنة 2000 أبوظبي، ومحكمة الاستئناف قضت في 18/9/2000، وقبل الفصل في الموضوع بندب خبير حسابي في الدعوى. طعن البنك في هذا الحكم بطريق النقض بالطعن 623 لسنة 22 ق.ع نقض مدني، وبتاريخ 13/1/2002 قضت المحكمة بعدم جواز الطعن. وإذ عاودت محكمة الاستئناف نظر الدعوى، فقد قضت في 26/11/2001 بإلغاء الحكم المستأنف وإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة لنظرها. فطعن البنك على هذا الحكم بالطعن 54 لسنة 24 ق. ع نقض مدني، حيث قضت محكمة النقض بتاريخ 23/3/2004 بعدم جواز الطعن. وأعيد تداول الدعوى أمام محكمة أول درجة التي ندبت خبيراً مصرفياً. وبعد أن قدم تقريره قضت ببطلان عقد الوكالة المؤرخ 15/10/1998، وإلزام البنك الطاعن بأن يرد للمطعون ضده مبلغ -/7.929.062 دولار أمريكي أو ما يعادله بالعملة الوطنية. استأنف الطاعن هذا الحكم بالاستئناف 164 لسنة 2006 أبوظبي. وبتاريخ 29/5/2006 وقضت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف فطعن الطاعن في هذا الحكم بالطعن الماثل، وعرض الطعن على الدائرة التجارية المختصة – في غرفة مشورة– فحددت جلسة لنظره.
وحيث إن الدائرة المختصة رأت بجلستها المنعقدة بتاريخ 7/3/2007 إحالة الطعن إلى الهيئة المشكلة وفقاً لنص الفقرة الأولى من المادة (65) من قانون المحكمة الاتحادية العليا للفصل فيه عملاً بالفقرة الثانية من المادة سالفة البيان، وذلك للعدول عن المبدأ الذي قررته أحكام صادرة من الدوائر المدنية، ومؤداها بطلان العقود لأنها تتسم بالغرر والمقامرة والرهان على أسعار العملات ارتفاعاً وانخفاضاً، مما يؤدي إلى بطلانها وعدم ترتب أي أثر صحيح عليها.
وحيث إن المادة الأولى من قانون المعاملات المدنية الاتحادي تنص على أنه " تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها وفحواها، ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص القطعي الدلالة فإذا لم يجد القاضي نصاً في هذا القانون حكم بمقتضى الشريعة الإسلامية على أن يراعى تخير أنسب الحلول من مذهبي الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل فإذا لم يجد فمن مذهب الإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة حسبما تقتضيه المصلحة..... ". كما تنص المادة الرابعة من القانون سالف الذكر في فقرتها الأولى أنه 1- لا يجوز إلغاء نص تشريعي أو وقف العمل به إلا بنص تشريعي لاحق يقضى صراحة بذلك....، وكانت المادة (78/1) من القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 بشأن المصرف المركزي قد نصت أن ( المصارف التجارية هي كل منشأة تقوم بصفة معتادة بتلقي الأموال من الجمهور على شكل ودائع تحت الطلب أو لإشعار أو لأجل... وتقوم المصارف التجارية كذلك بإصدار الشيكات وقبضها وطرح القروض العامة والخاصة والمتاجرة بالعملات الأجنبية والمعادن الثمينة وغير ذلك من العمليات المصرفية التي ينص عليها قانون التجارة أو قضى العرف أنها من أعمال المصارف التجارية...). ويبين من هذا
أن البنوك التجارية في الدولة تمارس نشاط الاتجار في العملات الأجنبية والمعادن النفيسة استناداً إلى نص المادة (78/1) من قانون المصرف المركزي سالف البيان،
وهو نص تشريعي لم يلغ بنص آخر صراحة أو ضمناً، كذلك لم يقض بعدم دستوريته مما يتعين إعماله، لا إهداره تحت ستار الاجتهاد والتفسير باعتباره نصاً قطعي الدلالة، ومن ثم فإن ممارسة البنوك لهذا النشاط يتفق وأحكام القانون.
غاية الأمر أن على من يدعي بطلان أي عمل من الأعمال التي تمارسها البنوك وفقاً لنص المادة (78/1) المشار إليها أن يحدد سبب البطلان وأن يقوم بإثباته شأنه في ذلك شأن البطلان الذي قد يلحق أي عقد من العقود التي نظمها القانون، كعقد البيع أو عقد الإيجار،
فلا تبطل كل عقود البيع أو الإيجار لهذا السبب، وإنما يقتصر البطلان فقط على الحالة التي شابها البطلان دون غيرها
ومن ثم فإن الأحكام التي قررت أن الاتجار في العملات الأجنبية والمضاربة على أسعارها ارتفاعاً وانخفاضاً، تتسم بالمقامرة والرهان وتخالف أحكام الشريعة الإسلامية بما يؤدي إلى بطلانها وعدم ترتب أي أثر عليها – فإن تلك الأحكام، فضلاً عن مخالفتها لصريح نص المادة (78/1) من قانون المصرف المركزي، فإنها لم تتحقق من طبيعة القيود التي تجريها البنوك سواء بالخصم أو الإضافة وفقاً للأنظمة والتقنيات الحديثة التي تجعل هذه القيود متفقة في نتيجتها مع التسليم، مما يتعين معه العدول عن المبدأ الذي قررته تلك الأحكام عملاً بالمادة (65) من قانون إنشاء المحكمة.
وحيث إن الدائرة المختصة سبق لها الحكم بقبول الطعن شكلاً.
وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، ذلك أنه خلص في مدوناته إلى أن المتاجرة في العملات الأجنبية والمعادن النفيسة التي أجراها لحساب المطعون ضده تعد من قبيل الرهان المخالف للشريعة الإسلامية، ورتب على ذلك بطلان عقد الوكالة المحرر بينهما بطلاناً مطلقاً وإلزامه برد المبلغ المقضي به رغم تمسكه في دفاعه أنه يزاول هذا النشاط استناداً إلى نص المادة (78/1) من القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 بشأن المصرف المركزي، وإلى البند الثامن من المادة الخامسة من النظام الأساسي له، وأن علميات المضاربة التي تمت تتفق وأحكام القانون. إلا أن الحكم المطعون فيه أطرح هذا الدفاع وخلص إلى بطلان عمليات المضاربة باعتبارها من المقامرة والرهان مما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أنه لما كانت الهيئة قد انتهت - وعلى ما سلف بيانه – إلى أن قيام البنوك بالمتاجرة في العملات الأجنبية والمعادن النفيسة يستند إلى نص المادة (78/1) من القانون رقم 10 لسنة 1980 بشأن المصرف المركزي. وكان البين من تقرير الخبير المنتدب أن الاتفاقية الموقعة بين الطرفين كانت تتضمن المتاجرة بعملات الدولار الأمريكي واليورو والين الياباني والمارك الألماني والجنيه الإسترليني، وكذلك الذهب والفضة، وأنه تم فتح حساب لكل عمله ولكل معدن، وأن البنك كان يقوم بتنفيذ أوامر العميل بالبيع أو الشراء لأية عمله حسب السعر المتفق عليه، ويقوم بتسجيل تلك الكمية في الحساب الخاص لكل عمله وفي نفس الوقت يقوم بقيد المقابل لها بالدولار الأمريكي في حساب العميل في الجانب الدائن والمدين أي الشراء والبيع، ويكون العميل رابحاً إذا كان القيد الدائن أكبر ويكون خاسراً إذا كان القيد المدين أكبر. وفي بعض الأحيان يكون سعر البيع والشراء متساوياً، فلا ربح ولا خسارة. وأضاف الخبير أن التسليم والتسلم قصد به قيد نتائج التعامل في حساب الهامش بالدولار الأمريكي، ويكون صافي التعاملات إما ربحاً أو خسارة يضاف إلى رصيد العميل الذي بمقدروه السحب والإيداع في هذا الحساب، وأن العميل إذا أراد استلام العملة المشتراة أو كمية الذهب محل التعامل، فعليه سداد قيمتها كاملة. ومفاد ما أورده الخبير أن التسليم والتسلم وإن لم يكن فعلياً - وهو ما تأباه عملية توالي البيع والشراء – وإنما يحل محله قيد حاصل كل عملية وما ترتب عليها من ربح وخسارة، وهو ما يعرف بالتسليم الحكمي، وأن العميل إذا أراد استلام العملات محل البيع فإنه يمكنه ذلك بعد سداد كامل ثمنها، وهو ما يؤكد القدرة على التسليم بما ينتفي معه الغرر. وبوجود التسليم الحكمي على النحو المشار إليه وانتفاء الغرر، تبرأ عمليات المضاربة التي قام بها البنك الطاعن لحساب المطعون ضده من شبهه البطلان ومخالفة القانون وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون معيباً بالخطأ في تطبيق القانون بما يوجب نقضه.
وحيث إنه لما تقدم وكان الموضوع صالح للفصل فيه، فإن المحكمة تقضي في موضوع الاستئناف على النحو الوارد بمنطوق هذا الحكم.

* * *