الطعن رقم 10 لسنة 2009 مدني
صادر بتاريخ 29/12/2009 (مدني)
هيئة المحكمة: الرئيس عبدالله أمين عصر- رئيس الدائرة، وعضوية السادة القضاة: د. أحمد المصطفى أبشر وأحمد سليمان النجار.
1- تفوق حجية الأحكام على اعتبارات النظام العام.
2- تمتع الأحكام الصادرة عن محكمة النقض بحجة في الأجزاء الفاصلة فيها من أوجه النزاع ومن غير الجائز اثارة منازعة بشأنها رغم بنائها على أدلة واقعية أو قانونية جديدة.
3- تمتع القانون بأثر مباشر خاضعة لسلطانه الآثار المستقبلية للمراكز القانونية إلا في العقود الخاضعة للقانون القديم المبرمة في ظله إلا عند تعلق القانون الجديد بالنظام العام.

دستور الامارات العربية المتحدة: دستور الامارات العربية المتحدة (مادة 112)
4- سريان أحكام القوانين الجديدة المتعلقة بتداول الثروات والملكية العقارية على التصرفات السابقة لتاريخ صدورها بشرط استمرار نفاذها بعد سريان القوانين الجديدة.
المحكمة
حيث إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن المطعون ضدهم أقاموا الدعوى رقم 194/2005 مدني كلي أبوظبي على الطاعن - المدعي عليه الثالث المدخل - ...... - المدعي عليه الأول - و ...... - المدعي عليه الثاني - انتهوا فيها إلى طلب الحكم بصحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ 16/1/1983 وبإلزام المدعي عليه الأول باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لنقل ملكية العقار إليهم، وإلزام الطاعن - المدعي عليه الثالث - بتسجيله باسم المطعون ضدهم في السجلات العقارية وبطلان الهبة الصادرة من المدعي عليه الأول إلى المدعي عليها الثانية وإلغاء العقد المسجل رقم ...... بتاريخ 26/7/2005 ومنع تعرض المطعون ضدهما الأول والثانية لهم في ملكيتهم للعقار وبطلان إقرار الهبة الصادر من المدعي عليها الثانية إلى المدعي عليه الثالث - الطاعن - وقالوا شرحاً لدعواهم أنه بموجب عقد البيع المؤرخ 16/1/1983 باع المدعي عليه الأول إلى مورثهم قطعة الأرض السكنية محل النزاع لقاء ثمن مقداره 2.600.000 درهم تسلمها المدعي عليه الأول بالكامل ووفق ما أقر به في البند التاسع من العقد، والتزم في البند الرابع منه بتحويل ملكية الأرض إلى مورث المدعين، وقد أقام المطعون ضده الأول عن نفسه وبصفته الدعوى رقم 23/1993 مدني كلي أبوظبي الشرعية بطلب الحكم " باستحقاق وتملك مورث المدعين وورثته من بعده - المطعون ضدهم - للأرض موضوع العقد لحيازتهم العقار بقصد التملك ولمرور الزمان المكسب للملكية، واحتياطياً الحكم باستحقاقهم له تطبيقاً لقواعد الاتصال، وعلى سبيل الاحتياط الكلي إلزام المدعي عليه - البائع - بأن يحرر تعهداً بعدم المطالبة بأرض عوضاً عن الأرض المباعة وإيداعه لدى الجهات المختصة وبتسجيل العقار باسم المدعين أو الحكم بصحة ونفاذ عقد البيع سند الدعوى " أقام المدعي عليه الأول دعوى متقابلة بطلب الحكم ببطلان عقد البيع وتثبيت ملكيته للأرض، وبعد أن ندبت المحكمة الشرعية خبيراً في الدعوى قدم تقريره قضت في 24/6/1996 في الدعوى الأصلية برفض الطلبين الأصلي والاحتياطي وفي الطلب الاحتياطي الكلي بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان، وفي الدعوى المتقابلة بعدم قبولها لرفعها قبل الأوان، ولم يستأنف أيا من الطرفين هذا الحكم. وبتاريخ 14/5/1997 أقام المدعي عليه الأول الدعوى رقم 252/1997 على مورث المطعون ضدهم بطلب الحكم بفسخ عقد بيع أرض النزاع قضى فيها ابتدائياً بعدم الجواز لسابقة الفصل فيها، وفي الاستئناف رقم 117/98 برفض الدعوى وفي الطعن رقم 354/20ق برفضه، إلا أن المطعون ضدهم - المدعون في الدعوى الماثلة - فوجئوا بقيام المدعي عليه الأول بهبة العقار محل النزاع إلى زوجته المدعي عليها الثانية بموجب إقرار الهبة رقم ..... لسنة 2005 والمسجل تحت رقم ... في 26/7/2005 والتي وهبتها بدورها إلى ابنها المدعي عليه الثالث - الطاعن - بموجب الإقرار المؤرخ 15/2/2006، وانه لما كان صدور القانون رقم 3 لسنة 2005 بشأن تنظيم التسجيل العقاري بإمارة أبوظبي قد أتاح للمدعين - المطعون ضدهم - رفع الدعوى بصحة ونفاذ عقد بيع أرض النزاع وكان أقرار الهبة باطلاً لصدوره من غير مالك، فقد كانت الدعوى. أقام المدعي عليهما الأول والثانية دعوى متقابلة بطلب الحكم ببطلان عقد البيع وإلزام المدعين أصلاً - المطعون ضدهم - برد حيازة الأرض محل النزاع للمدعي عليها الثانية على سند من بطلان هذا العقد لعدم تسجيله حتى أدركه الأمر السامي المؤرخ 14/3/1997 وبالتالي يكون إقرار الهبة صحيحاً وصادراً ممن يملك الأرض محل النزاع. ومحكمة أول درجة قضت في 30/4/2007 برفض الدعوى الأصلية، وفي الدعوى المتقابلة ببطلان عقد البيع المؤرخ 16/1/1983 وإلزام المدعي عليهم تقابلاً - المطعون ضدهم - برد حيازة الأرض للمدعي عليها الثانية، استأنف المدعون أصلاً هذا الحكم بالاستئناف رقم 29/2007 أبوظبي، ومحكمة الاستئناف قضت في 27/11/2007 بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض الدعويين الأصيلة والمتقابلة. طعن المدعون أصلاً - المطعون ضدهم - على هذا الحكم بالطعن رقم 35/2008 مدني قضى فيه بتاريخ 6/5/2008 بالنقض والإحالة، ومحكمة الإحالة قضت في 10/11/2008 " بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً : 1- بصحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ 16/1/1983 فيما بين مورث المستأنفين - المطعون ضدهم - والمستأنف ضده الأول - المدعي عليه الأول - على قطعة الأرض السكنية رقم ..... موضوع الدعوى. 2- ببطلان الهبات التي تمت على قطعة الأرض بتاريخ 26/7/2005وبتاريخ 15/3/2006 وبمخاطبة مسجل الأراضي بمحوها من اسم الموهوب لهم وإعادة تسجيل الأرض باسم ورثة ...... وبحسب الأنصبة الشرعية ......."، فكان الطعن.
وحيث إن الطعن أقيم على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن بها على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون وتأويله وتفسيره والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، إذ استند في قضائه بصحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ 16/1/1983 وبطلان الهبات التي تمت على أرض النزاع إلى أنه لا يقبل من أي من طرفي العقد فسخه ولا نقضه ولا تعديله إلا بالتراضي أو التقاضي، وأن أحكام القانون رقم 3 لسنة 2005 في شأن تنظيم التسجيل العقاري في الأراضي أباحت التصرف بالبيع والشراء بين المواطنين، في حين أن العقد أبرم في ظل القانون 11 لسنة 1979 الذي استوجب لانعقاده الحصول على موافقة المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي باعتبار هذه الموافقة ركناً من الأركان اللازمة لانعقاد البيع والثابت عدم الحصول عليها حتى أدركه الأمر السامي الصادر بتاريخ 14/3/1997 الذي منع بيع الأراضي بين الملاك بما يجعل هذا العقد باطلاً بطلاناً يتعلق بالنظام العام فلا ترد عليه الإجازة ولا يرتب أثراً، ولم يكن له وجود قانوني عند صدور القانونين رقم 3/2005، 19/2005 والساريان من تاريخ نشرهما وليس بأثر رجعي بما يرتب صحة الهبات التي تمت على الأرض - لوالدته ومنها له - باعتبارها صادرة من المالك المسجل، وهو ما التفت عنه الحكم بما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أن من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن حجية الأحكام القضائية تعلو على اعتبارات النظام العام،
وأن الأحكام الصادرة من محكمة النقض حجة فيما فصلت فيه من أوجه النزاع بين الخصوم بما يمتنع معه إثارة المنازعة في المسألة التي فصلت فيها ولو بأدلة واقعية أو قانونية جديدة وذلك لاكتسابها قوة الأمر المقضي فيما بتت فيه،
وأنه طبقاً للمبادئ الدستورية المتواضع عليها أن الأصل أن للقانون أثراً مباشراً يخضع لسلطانه الآثار المستقبلية للمراكز القانونية إلا في العقود فتخضع للقانون القديم التي أبرمت في ظله ما لم يكن القانون الجديد من النظام العام فيسترد سلطانه المباشر على الآثار المترتبة على هذه العقود شريطة أن تبقى سارية عند العمل به،
وأن القانون رقم 3 لسنة 2005 في شأن تنظيم التسجيل العقاري لإمارة أبوظبي والقانون رقم 19 لسنة 2005 في شأن الملكية العقارية - على ما هو مقرر - من القوانين المتعلقة بالنظام العام لتعلقهما بتنظيم تداول الثروات والملكية العقارية ومن ثم تسرى أحكامهما على التصرفات العقارية السابقة على سريانهما متى ظلت آثارها قائمة قانوناً بتاريخ نفاذهما، ومنها عقود البيع السابقة المقضي بأحكام باتة بأنها غير باطله ومرتبة لآثارها –أيا كان وجه الرأي في ذلك، وكان النص في المادة 10من القانون رقم 3/2005 على إباحة التصرف ببيع الأراضي بأنواعها المختلفة بين المواطنين المخصصة لكل منهم شريطة عدم تغيير الغرض المخصص له تلك العقارات، وفي المادة 14 منه على إلغاء كل حكم يخالف أو يتعارض مع أحكام هذا القانون، مؤداه رفع القيد الذي كان منصوصاً عليه في القانون رقم 11 لسنة 1979 المعدل في شأن تسجيل الأراضي بإمارة أبوظبي - بعدم إجازة بيع الأراضي بين المواطنين إلا بعد الحصول على موافقة المجلس التنفيذي واستيفاء الشروط الأخرى المنصوص عليها - وفي الأمر السامي الصادر من رئيس الدولة بتاريخ 14/3/1997 بحظر البيع والشراء لجميع أنواع العقارات في إمارة أبوظبي باعتبارهما قد ألغيا وفقاً لنص المادة 14 من القانون رقم 3 لسنة 2005 ؛ السالف إيراده، وكان الثابت بالأوراق أن المدعي تقابلاً في الدعوى الماثلة كان قد أقام دعوى متقابلة في الدعوى 23/1994 مدني شرعي أبوظبي بطلب بطلان عقد البيع المبرم بينه وبين مورث المدعين أصلاً - المطعون ضدهم - استناداً إلى أن القوانين لا تجيز ذلك وقد قضى بعدم قبول دعواه المتقابلة على سند من أن العقد صحيح مستوفٍ لأركانه وشروطه المقررة في الشرع والقانون....، وقد أصبح هذا القضاء باتاً بعدم الطعن عليه. كما أقام المدعي عليه الأول أصلاً - المدعي تقابلاً في النزاع الماثل لاحقاً الدعوى رقم 252/97 مدني أبوظبي بطلب بفسخ ذات عقد البيع قضى فيها استنافياً في الاستئناف رقم 117/98 أبوظبي بالرفض على سند من أن تسجيل العقد لا يعد شرطاً شكلياً لانعقاد البيع ولا يؤدي تخلفه إلى بطلان التصرف وقد مضى على العقد المبرم بين طرفي التقاضي أكثر من خمسة عشر عاماً وأن المورث المشتري تسلم الأرض وحازها .... وإذ صار هذا القضاء باتاً برفض الطعن عليه بالحكم الصادر في الطعن 354 لسنة 20ق المرفوع من المطعون ضده الأول، المدعي في الدعوى السابقة، المدعي عليه الأول في الدعوى الماثلة - وكان الحكم الناقض الصادر في الطعن 35 لسنة 2008 بتاريخ 6/5/2008 في النزاع الماثل قد استند في قضائه إلى حجية الحكم الصادر في الطعن رقم 354 لسنة 20 ق الذي بت في شأن سقوط حق المدعي علية الأول في الدعوى الماثلة في طلب فسخ عقد بيع أرض النزاع، وبأنه لا يجوز للخصوم معاودة طرح النزاع في هذه المسألة التي بت فيها ذلك الحكم لما له من حجية تعلو على اعتبارات النظام العام، وكان يترتب على قضاء هذين الطعنين، ومن قبله قضاء الحكم النهائي البات في الدعوى 23/1994 مدني شرعي أبوظبي بصحة عقد البيع وعدم أحقية البائع - المدعي عليه الأول في الدعوى الماثلة - في فسخه بقاء هذا العقد قائماً وحتى أدركه القانون رقم 3/5/2005 و 19/2005، وبما لا يحق معه للبائع المذكور التصرف في أرض النزاع بالهبة لزوجته ومنها لأبنها الطاعن. وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر ورتب عليه قضاءه بصحة ونفاذ عقد البيع وبطلان الهبات التي تمت لعدم ملك الواهب لمحل الهبة لأيلولته للمطعون ضدهم بالبيع والأمر بتسجيل العقار في اسمهم، فإن النعي عليه بما ورد بوجه النعي يضحى على غير سند خليقاً بالرفض.
وحيث وإنه ولما تقدم يتعين رفض الطعن.

* * *