الطعن رقم 532 لسنة 2016 مدني
صادر بتاريخ 27/3/2017
هيئة المحكمة: برئاسة السيد القاضي شهاب عبدالرحمن الحمادي - رئيس الدائرة وعضوية السادة القضاة الحسن بن العربي فايدي و جمعه إبراهيم محمد راشد.
1- سلطة محكمة الموضوع في تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة لاسيما تقارير الطب الشرعي.
2- سلطة محكمة الموضوع في استخلاص الخطأ الموجب للمسؤولية ومدى مساهمة الغير شرط إقامة قضائها سائغاً.
3- جواز استكمال صاحب الحق في الدية التعويض عن الأضرار غير المشمولة بالدية ومنها الإخلال بمصلحة مالية للمتضرر والشامل للخسارة والكسب الفائت.
4- سلطة محكمة الموضوع في تقدير التعويض عن الضرر والكسب الفائت عند كونه النتيجة الطبيعية للفعل الضار دون جواز القضاء بمبلغ إجمالي عن عناصر الضرر.
5- اعتبار الجدل حول تقدير محكمة الموضوع الدليل وتحديد عناصر المسؤولية الطبية أثناء عملية إزالة الفتق الإربي جدلاً موضوعياً غير جائز أمام المحكمة العليا.
6- أساس استحقاق الفائدة من تاريخ المطالبة القضائية.
7- بدء سريان الفائدة على مبلغ التعويض المحكوم به نتيجة الخطأ الطبي من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً.
المحكمــــة
حيث أن الوقائع - حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق الأخرى - تتحصل في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 2847 لسنة 2014 مدني كلي الشارقة على الطاعن/مستشفى........ والطبيب/.......... بطلب الحكم بإلزامهما بأن يؤديا له مبلغ خمسة ملايين درهم مع فائدة قدرها 9% من تاريخ رفع الدعوى حتى السداد التام على سند من القول أنه كان يعاني من الفتق الإربي في الخصيتين، وبعد إجراء فحوصات أحيل على أحد الأطباء بتاريخ 30/6/2012 بصفته أخصائي استشاري أول جراحة عامة فتقرر لإخضاعه إلى جراحة تحت التخدير العام ودون إعلامه بما قد يحدث لا شفويا ولاكتابيا، وبتاريخ 10/7/2012 أجريت له العملية من طرف الدكتور المذكور أعلاه ودون أخذ أقرار منه بالموافقة وخرج من العملية وهو يعاني آلام شديدة وحادة وأخرج من المستشفى بتاريخ 11/7/2012 وتحت تأثير اشتداد الآلام وعدم النوم راجع بتاريخ 25/7/2012 المستشفى وبعد إجراء الفحوصات بالموجات فوق الصوتية تبين له وجود ضمور في الخصية اليسرى كما تبين عدم وجود لون فيها وآلام مبرحة مما أثر على عمله - وهو ما لم يكن موجود قبل العملية ؛ وبعد مراجعة بعض المستشفيات وبعد أن استمرت الالتصاقات حول الخصية والحبل المنوي وصغر حجم الخصية وعدم التروية قرر الأطباء بتاريخ 9/9/2012 استئصالها وكان ذلك نتاج عملية الفتق الإربي التي قام بها المدعى عليه الثاني وازداد ما أصابه من ضرر مادي ومعنوي ونفسي يقدر التعويض عنها بالطلبات المذكورة، وبعد الجواب الرامي إلى رفض الدعوى قضت محكمة أول درجة بجلسة 30/9/2014 بندب اللجنة العليا للمسؤولية الطبية لفحص المدعي، ونفاذا لذلك القضاء أنجزت تقريرا خلصت فيه إلى وجود خطأ طبي لقيام الطبيب بإجراء عملية جراحية غير مطلوبة في تخصصه ودون أخذ موافقة مسبقة بعملية إصلاح فتق الإربي الأيسر لضمور الخصية نتيجة لربط أو قطع الشريان المغذي لها مما نتج عنه موت خلايا الخصية اليسرى وإزالتها جراحيا وهو ما يعتبر عاهة مستديمة تقدر بحوالي نسبة 50% من القدرة الأصلية للخصية وبعد التعقيب على التقرير المذكور، قضت نفس المحكمة بجلسة 18/11/2014بإلزام المدعى عليهما بالتكافل والتضامن بأن يؤديا للمدعي مبلغ خمسمائة ألف درهم مع فائدة 7% من تاريخ رفع الدعوى حتى السداد التام، استأنف الطاعنان هذا الحكم بالاستئناف رقم 1517 لسنة 2015 كما استأنفه المطعون ضده بالاستئناف رقم 1518 لسنة 2015، وبجلسة 11/2/2016 قضت محكمة الاستئناف بندب السيد الطبيب الشرعي بالشارقة لتوقيع كشف طبي على المستأنف/...... وفحصه طبيا.. وقد أودع تقريرا مؤرخ في 9/5/2016 انتهي فيه إلى أنه نتيجة مضاعفات التدخل الجراحي الذي تم بحق المريض/..... من قبل الجراح الدكتور/...... وما استقر عليه تقرير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية من وجود خطأ طبي فقد تم استئصال الخصية اليسرى للمريض المذكور وما أعقب ذلك من ضعف بنسبة هرمون التستسيرون الذكري على نحو ما ثبت بالفحوصات المخبرية وهو ما يعد عاهة مستديمة وعجزا دائما قدره بواقع 100% في الطبيعة الأصلية للخصية اليسرى ووظيفتها الفيسيولوجية أصيب المدعو/بلال محمد أحمد بأعراض نفسية عقب وبسبب استئصال الخصية اليسرى في عام 2012 وتم تشخيص حالته على أنها تلف تفاعلي واكتئاب واستمر المذكور على المتابعة الطبية والعلاج حتى الآن وتضاعفت حالته النفسية باليأس والإحباط وضعف الرغبة الجنسية ولا مبالاة مما تسبب له في مشاكل أسرية على النحو المثبت بالتقارير الطبية وهو ما يعد عاهة مستديمة وعجزا دائما قدره بواقع 15% من الطبيعة الأصلية للمريض المذكور، وبعد التعقيب قضت محكمة الاستئناف بجلسة 30/6/2016 بما يلى: أولا: في موضوع الاستئناف رقم 1518 لسنة 2015 مدني بتعديل الحكم المستأنف وذلك بإلزام المستأنف ضدهما بأن يؤديا للمستأنف مبلغ تسعمائة ألف درهم وتأييده فيما عدا ذلك.
ثانيا: في الاستئناف رقم 1517 لسنة 2015 برفضه.
طعن الطاعنان في هذا الحكم بالطعن بالنقض الماثل، وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة. في غرفة مشورة - حددت جلسة لنظره، وأدلى المطعون ضده بمذكرة جوابية طلب فيها الحكم برفض الطعن.
وحيث ينعى الطاعنان بالسبب الأول مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب ومخالفة الثابت بالأوراق حين قضى للمطعون ضده بمبلغ الدية عن الخصية اليسرى التي تم استئصالها وبمبالغ أخرى كحكومة عدل علما أنه لا يجوز القضاء بهما مجتمعين على ذات الإصابة وأن المطعون ضده قام بالتوقيع على إقرار بالموافقة قبل إجراء العملية وأن الطبيب المعالج - الطاعن الثاني - قام بكل الإجراءات القانونية اللازمة قبل العملية وهو ما خالفه تقرير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية والتي لم تقم بإحاطة ما قام به الطبيب المذكور من أعمال طبية وفق ما تفرضه عليه قوانين المهنة وتقاليدها بأخذه كل الاحتياطات اللازمة لإنجاح العملية وأن المريض رفض الامتثال للعلاج مما يكون معه مساهما في الخطأ بنسبة 50% وأن التعويض المحكوم به فيه نوع من المبالغة وقد قضت به المحكمة دون تبرير قانوني لذلك المبلغ وكيفية احتسابه ودون معرفة نصيب التعويض المعنوي فيه والذي لا يجوز القضاء به مع الدية وهو ما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال مما يستوجب نقضه.
وحيث إن النعي في مجمله مردود، ذلك أن المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير أدلتها ومنها تقارير الطب الشرعي - تخضع للسلطة التامة للمحكمة شريطة إقامة قضائها على أسباب سائغة كما أن استخلاص الخطأ الموجب للمسؤولية ومدى مساهمة الغير أو آخرون فيه - يخضع أيضا لسلطة محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب لها معينها من الأوراق وتكفى لحمله.
وأن المقرر أيضا - في قضاء هذه المحكمة - أن صاحب الحق في الدية له استكمال التعويض عن الأضرار الأخرى التي لا تغطيها الدية ومنها الإخلال بمصلحة ذات قيمة مالية للمضرور وشاملا ما حاق به من خسارة وما فاته من كسب وأن تقرير الضمان يقدر بما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب متى كان نتيجة طبيعية للفعل الضار وأن تقدير التعويض الجابر لهذه الأضرار مما تستقل به محكمة الموضوع طالما لم يوجب القانون اتباع معايير معينة لتقديره وأبانت عناصر الضرر ووجه أحقية طالب التعويض فيه ويجوز لها أن تقضي بمبلغ إجمالي عن تلك العناصر.
لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أورد بأسبابه من " أن المحكمة تطمئن إلى ما تضمنه تقرير الطبيب الشرعي المنتدب في الدعوى وما بني عليه من أسباب سائغة من وجود خطأ طبي وإهمال من الطاعنين نتج عنه استئصال الخصية اليسرى للمطعون ضده وما أعقب ذلك من ضعف بنسبة هرمون التستسيرون الذكري على نحو ما ثبت بالفحوصات المخبرية، وأصيب بأعراض نفسية عقب وبسبب استئصال الخصية اليسرى في عام 2012 تتمثل فيما أصابه من تلف تفاعلي واكتئاب واستمر على المتابعة الطبيبة والعلاج حتى الآن وتضاعفت حالته النفسية باليأس والإحباط وضعف الرغبة الجنسية ولا مبالاة تسببت له في مشاكل أسرية على النحو المثبت بالتقارير الطبية وهو ما تطمئن معه المحكمة إلى ثبوت أركان المسؤولية التقصيرية من خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما في جانب المستأنف عليهما وأن خطأهما أدى إلى إصابة المستأنف (المطعون ضده) الإصابات المبينة بالتقرير بأن تخلف لديه من جراء الحادث عاهة مستديمة تقدر ب100% من الطبيعة الأصلية للخصية اليسرى ووظيفتها الفسيولوجية كما تخلف لديه من جراء الحادث عاهة مستديمة وعجزا دائما بواقع 15% من الطبيعة الأصلية للمريض بأن لحق به من جراء الخطأ الطبي أضرارا أخرى مادية محققة ومستقبلية تتمثل فيما لحقه من خسارة وما فاته من كسب بثبوت العجز الناجم عنه من ضعف الرغبة الجنسية وما تؤول إليه من ضعف جنسي بسبب نقص هرمون التستسرون الذكري على نحو ما ثبت بالفحوصات المخبرية سيما وأنه يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين سنة فقط أدت إلى حرمانه من التمتع بحياته الزوجية واكتئاب نفسي غير مستقر وما تكبده من مصاريف في الانتقال إلى المستشفيات والأطباء ونفقات لإجراء عمليات استكشاف وخلافه وعمليات جراحية لاستئصال الخصية اليسرى وأدوية حرمته من مزاولة أعماله كشخص طبيعي خلال مدة إصابته وخضوعه للعلاج حتى الآن وستؤثر حتما في قدرته بكامل قدرة الإنسان العادي على حياته الأسرية والعملية " وأيد الحكم المستأنف الملزم لهذا النظر معدلا إياه فيما قضى به من تعويضات وفق ما ورد بالمنطوق، وكانت أسباب الحكم سائغة ولها أصل ثابت بالأرواق كاف لحمل قضائه فإن ما يثيره الطاعنان من نعي بتخطئة الحكم المطعون فيه حين عول على تقارير الطب الشرعي وتحميل الطاعنين مسؤولية الحادث رغم المجهودات المبذولة من المطعون ضده أثناء القيام بعمليات إزالة الفتق الإربي ومبالغته في التعويض المحكوم به لفائدة المطعون ضده فإنه ينحل إلى جدل فيما لمحكمة الموضوع من سلطة في تقدير الدليل وتحديد عناصر المسؤولية الطبية على ما ثبت لديها من مستندات الدعوى وهو مما لا يجوز التمسك به أمام المحكمة الاتحادية العليا وما يثيره من نعي بتعييب الحكم حين قضى بتعويض - كحكومة عدل - زيادة على التعويض المحكوم به للدية رغم عدم قانونية جمعهما فإنه مردود بما أورده الحكم بأسبابه وأن للمضرور الحق في استكمال التعويض عن الأضرار الأخرى التي لا تغطيها الدية وهو ما أبرزه الحكم في علله المشار إليها، ويكون النعي المثار بهذا الصدد على غير أساس متعين الرفض ويكون الطعن في هذا الشق جديرا أيضا بالرفض.
وحيث ينعى الطاعن بالسبب الثاني على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون حين قضى بتأييد الحكم المستأنف القاضي بالفوائد التأخيرية المطالب بها والتي لا تكون مستحقة إلا بتراخي المدين في الوفاء وتحسب من تاريخ المطالبة القضائية إذا كان الدين معلوم المقدار لا يخضع لتقدير القضاء أما إذا كان للقضاء سلطة في تقديره فإن الفائدة لا تستحق إلا من تاريخ صيرورة الحكم القاضي بالمبلغ المحكوم نهائيا ما لم يتفق على خلاف ذلك وهو ما لم يحصل في الدعوى وهو ما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث أن النعي سديد في هذا الشق، ذلك أن المقرر في قضاء هذه المحكمة - أن سريان استحقاق الفائدة من تاريخ المطالبة القضائية: مناطه أن يكون المبلغ المطالب به عبارة عن مبلغ نقدي محدد على أسس ثابتة وغير خاضع في تحديدهٍ لمطلق تقدير القاضي ولو نازع المدين في استحقاقه أو مقداره أما إذا كان للقضاء سلطة في تقديره فإن الفائدة لا تستحق إلا من تاريخ صيرورة الحكم الصادر بالمبلغ المقضىي به نهائيا.
لما كان ذلك وكان البين من الأوراق أن المبلغ المحكوم به عبارة عن تعويض نتيجة خطأ طبي، وأن تحديده خاضع لسلطة المحكمة فإن بداية سريان استحقاق الفائدة يكون من تاريخ صيرورة هذا الحكم نهائيا وليس من تاريخ المطالبة القضائية كما قضى به من الحكم المستأنف والمؤيد من الحكم المطعون فيه وهو ما يعيب الحكم بمخالفة القانون ويوجب نقضه.
وحيث أن النزاع قابل للفصل فيه.
ونظرا لما ذكر.

* * *